
القرار AL7ASEM :كتبت : نسمة تشطة
في لحظة إقليمية مشوشة، اختلطت فيها المواقف بالمصالح، وتراجعت الثوابت أمام العناوين المرنة، تقف مصر في موقع لا يُحسد عليه: تدير معركة مزدوجة، الأولى على الأرض، والثانية في الوعي.
الضغوط تتكاثر، والاتهامات تتطاير، لكن من يعرف عقيدة الدولة المصرية، يُدرك أن ما يُدار في ملف غزة ليس قرارًا آنيًا، ولا لحظة عاطفية، بل جزء من منظومة أمن قومي تمتد جذورها عميقًا في الجغرافيا والتاريخ.
حين تصدر الخارجية بيانًا بتلك اللهجة الواضحة، فهذا لا يحدث عبثًا. إنه إعلان بوجه حملات التشويه التي تسعى لا إلى نقد الأداء، بل إلى نسف الدور من جذوره، وإعادة صياغة صورة مصر في الوعي العربي، من عمقٍ داعم إلى طرف متردد.
لكن الحقيقة على الأرض تعاكس تلك الروايات المعلبة. فالمعبر لم يُغلق، والمساعدات لم تتوقف، والخط الأحمر ما زال واضحًا: لا للوطن البديل، لا للتهجير، ولا لأي تسوية تُفرض على أنقاض غزة. هذا موقف لم تقله مصر فقط، بل تمارسه على مدار الساعة، دون استعراض، ودون ضجيج.
ليس جديدًا أن تُهاجم مصر حين تلتزم بصمتها السيادي. اعتدنا أن يتم تحميلها أوزار المنطقة كلما وقفت بثبات. الجديد هو أن الحملات اليوم أشد احترافًا، وأكثر تزييفًا. تُدار بأدوات ناعمة، وتُبث من خلف شاشات، وتستهدف تقويض الإيمان العربي بدور الدولة الوحيدة التي ما زالت تحسب خطواتها بميزان الذهب، لا بزخم اللايكات.
ما لا يريد البعض فهمه أن ما تقوم به مصر اليوم هو توازن دقيق بين الواجب القومي، والمسؤولية الإنسانية، والحسابات الجيوسياسية المعقدة. تُبقي البوابة مفتوحة، لكنها لا تسمح بأن تُفتح الأبواب الخلفية لتمرير صفقات مشبوهة.
في النهاية، لا تحتاج مصر إلى تبرير موقفها. تاريخها هو الشاهد، وغزة تعرف من وقف معها حين انهارت الحسابات، ومن أمسك العصا من النصف حين كان الناس يبحثون عن كاميرا.
ولأنها دولة تعرف ثقلها، لم تدخل المعركة بالصوت، بل بالفعل. والذين يظنون أن بإمكانهم إسقاط هذا الدور بسردية رقمية، لم يقرأوا جيدًا كيف تكتب مصر صفحاتها.



