الزعبي يكتب_السردية الأردنية: جدلية الفكرة والتطبيق

القرار الإخباري _كتب: محمد خالد الزعبي
ليست الدول في جوهرها جغرافيا فحسب، ولا كيانات سياسية تُعرَّف بحدودها أو مؤسساتها، بل معانٍ حيّة تتكوّن ببطء حتى تصبح وعياً عاماً لا يُرى بالعين بقدر ما يُحسّ في الوجدان فالدولة التي تمتلك معنى وجودها تمتلك قدرتها على البقاء، لأن الوجود السياسي لا يحميه السلاح وحده، بل يحميه الإيمان الذي يحمله الناس تجاه وطنهم
ومن بين تجارب الدول في هذه المنطقة المضطربة تشكلت السردية الأردنية بوصفها تجربةً مختلفة؛ لم تولد من لحظة صخب، ولا من انتصارٍ عابر، بل من تراكمٍ هادئ صنع دولةً تعلّمت كيف تبقى حين يسقط غيرها، وكيف تحافظ على توازنها بينما تميل الموازين من حولها
ولهذا يخطئ من يظن أن الأردن يمكن أن يكون هدفاً سهلاً للكلمات، أو أن اسمه يمكن أن يمس دون أن يهتز في صدور أبنائه شيء فالوطن الذي يتكون عبر الزمن لا تهزّه العبارات العابرة، ولا تختصره توصيفات طارئة، لأن الأردن ليس قصةً تُقال على عجل، بل مسار دولةٍ صنع ثباته بالصبر قبل الشعارات، وبالفعل قبل القول
ومن هنا لا يبدو الحديث عن الأردن مجرد خطابٍ سياسي أو توصيفٍ نظري، بل تجربة دولةٍ أثبتت أن الثبات يمكن أن يكون خياراً، وأن الاعتدال يمكن أن يكون قوة، وأن الهدوء قد يكون أبلغ من الضجيج
وفي النقاشات السياسية والفكرية المعاصرة، لم يعد مفهوم السردية الوطنية ترفاً ثقافياً، بل مدخلاً أساسياً لفهم كيف تتشكل الدول وكيف تحافظ على استمراريتها في عالم يتغير بسرعة وفي هذا السياق يبرز الأردن نموذجاً لدولةٍ اختارت الواقعية طريقاً، والتوازن منهجاً، والاستقرار هدفاً طويل الأمد
لم تبن الدولة الأردنية على خطابٍ أيديولوجي عابر، بل على مسار تراكمي طويل قائم على إدارة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون ومنذ التأسيس، كان السؤال المركزي هو كيف يمكن بناء كيان مستقر في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، فجاءت الإجابة في منهج مؤسسي هادئ يقوم على ضبط الإيقاع وتقديم الدولة بوصفها إطاراً جامعاً لا ساحة صراع
يقع الأردن في محيطٍ مضطرب، لكنه أثبت عبر عقود طويلة قدرةً لافتة على البقاء متماسكاً بينما تتكسر الأزمات من حوله إنها دولة تعلّمت كيف تقف على حافة العاصفة دون أن تسقط فيها، وكيف تدير التناقضات بدل أن تنفجر داخلها
وهنا تتجلى السردية الأردنية بوصفها تجربة دولةٍ قامت على التوازن لا الصخب، وعلى الاستمرار لا الانفعال، حيث لم تراهن الدولة على الشعارات بقدر ما راهنت على الزمن الطويل، وعلى القدرة الدائمة في الحفاظ على الاستقرار دون أن تفقد هويتها أو موقعها
وعلى الصعيد الداخلي، تشكّلت علاقة خاصة بين الدولة والمجتمع، لم تُبنَ على الإقصاء ولا على الشعبوية، بل على تفاهم تاريخي غير مكتوب يقوم على أن تحمي الدولة الإطار العام ويحافظ المجتمع على تماسكه
أما الهوية الوطنية الأردنية فقد تشكّلت خارج نماذج الإغلاق أو النقاء الضيق، لتكون هوية جامعة أستوعبت التعدد الجغرافي والاجتماعي والثقافي ضمن إطار الدولة
سياسياً، أتسمت التجربة الأردنية بواقعية واضحة، حيث لم تُدار السياسة الخارجية بمنطق المغامرة ولا بمنطق التبعية، بل بمنهجية دقيقة توازن بين المصالح الوطنية والإلتزامات الإقليمية والدولية
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ظل الموقف الأردني التزاماً سياسياً وأخلاقياً ممتداً في الوجدان الوطني، ولم يكن خطاباً موسمياً أو ورقة تفاوضية، بل موقفاً ثابتاً يعكس ارتباطاً تاريخياً وإنسانياً عميقاً
ولم يكن الأردن يوماً أرضاً مغلقة،لا بل كان بيتاً واسعاً احتضن الملهوفين حين أغلقت الدنيا أبوابها في وجوههم لكنه في الوقت نفسه وطن يعرف أن الكرامة لا تُجزّأ
إقتصادياً، لم تدّعِ الدولة نموذجاً مثالياً، لكنها تعاملت مع التحديات بوصفها حقائق واقعية لا شعارات مؤقتة، ولذلك بقيت الدولة قائمة رغم الصعوبات
الأردنيون شعب بسيط في ظاهره عميق في جوهره، يؤمن أن الوطن مسؤولية قبل أن يكون شعاراً، وأن الطيبة لا تعني الضعف، وأن الصبر لا يعني القبول بالإهانة
وفي اللحظة الراهنة، تبدو السردية الأردنية أكثر حضوراً بوصفها إطاراً لفهم كيف بقيت الدولة متماسكة رغم التحولات العميقة في المنطقة، وكيف أستطاعت أن تحافظ على إستقرارها دون أن تفقد هويتها أو توازنها
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بما تقوله عن نفسها، بل بقدرتها على البقاء حين تتغير الأزمنة من حولها
وسيظل الأردن كما كان دائماً:
دولةً تعرف طريقها،
ووطناً يعرفه أبناؤه،
وحقيقةً تبقى… حتى حين يتغير كل شيء من حولها



