الزعبي يكتب _سارية السيادة.. حين تختصر الراية سيرة أمة

القرار _كتب _محمد خالد الزعبي
في فقه الأوطان، لا يُقاس العلم بمساحة قماشه، بل بمساحة الفخر التي يشغلها في وجدان شعبه، والراية الأردنية ليست استثناءً، بل هي “الشيفرة” الوراثية التي نُقشت عليها حكاية الثورة العربية الكبرى وتطلعات النهضة. حين نردد “خافقٌ بالمعالي والمنى”، فنحن لا نصف حركة ميكانيكية للهواء، بل نعلن عن ديناميكية وطن يرفض السكون، وطنٍ اختزل في ألوانه فصول التاريخ العربي بأكمله؛ فكان الأسود هيبةً عباسية تضرب جذورها في عمق الأرض، والأبيض سلاماً أموياً يمد يده للعالم بالاعتدال، والأخضر وعداً فاطمياً بالحياة التي لا تذبل، ليجمعها المثلث الأحمر الذي يمثل عقيدة الهاشميين ودم الشهداء الذي صيغت به حدود الكرامة
إن المتأمل في هذا العلم يدرك أنه يتجاوز الوظيفة البروتوكولية ليصبح كائناً حياً يتنفس مع الأردنيين؛ فهو في ساحتهم قَسَمٌ صامت، وفي معاركهم لواءٌ لا ينكسر، وفي محافلهم الدولية هويةٌ تعلن عن دولةٍ صغيرة في الجغرافيا لكنها إمبراطورية في المعنى والموقف. وتبرز النجمة السباعية في قلب المثلث الأحمر لا كزينة هندسية، بل كبوصلة أخلاقية وجهت مسيرة الدولة عبر مئة عام وأكثر، فهي السبع المثاني، وهي أيضاً قيم السيادة والوحدة والكرامة التي تشكل العقد الاجتماعي بين الإنسان وترابه
هذا العلم لا يرفرف فوق السواري فحسب، بل يرفرف فوق الجراح ليداويها، وفوق القمم ليعليها، كأنه مظلةٍ هاشمية تتسع لكل العرب، مستمداً شرعيته من تاريخ حافل وصمودٍ أسطوري في وجه الأنواء وحين تلامس ألوانه عنان السماء، تشعر وكأن جبال الشراة وصلابة عجلون ورمال وادي رم قد تجمعت كلها في خفقة واحدة، لتقول للعالم إن الأردن سيبقى، كما كان دوماً، “عربي الظلال والسنا”، وطناً تُبنى أمجاده بعرق الرجال وزنود الجيش وتضحيات الآباء، ليبقى العلم شامخاً، أسمى من الخلافات، وأبقى من العابرين، ونشيداً للعز لا يخفت بريقه مهما طال الزمن



