بين جهر المعصية ونكران الجميل للوطن.. لماذا تستقيم المحاسبة؟

القرار _كتب _محمد خالد الزعبي
أثارت الحادثة الأخيرة التي جهرت فيها إحدى الفتيات بالإساءة لرمزية العلم ونكران فضل الوطن موجة من الجدل تباينت بين المطالبة
بالمحاسبة وبين من استهجن هذا الإجراء تحت ذريعة حرية التعبير. وهنا يبرز تساؤل منطقي حول فلسفة العقاب في المنظومتين التشريعية والربانية؛ فالمجتمعات التي تسلم وتؤمن بأن القوانين الإلهية تحاسب “المجاهر” بالمعصية أشد من المستتر بها، هي ذاتها المطالبة اليوم بإدراك أن الجهر بنكران الجميل للوطن ليس مجرد رأي شخصي، بل هو فعل يستهدف تفتيت العقد الاجتماعي وهدم الهيبة الوطنية
إن القاعدة الربانية التي تقول “كل أمتي معافى إلا المجاهرين” لم تأتِ للتضييق على الناس، بل لحماية المجتمع من أثر “العدوى” وكسر حاجز الهيبة تجاه الثوابت، فالجهر بالمعصية هو استخفاف بالقيم العامة ودعوة صريحة لتمزيق النسيج الأخلاقي. وبالمقابلة، فإن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية أو “فندقاً” نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو كينونة وكرامة ورمزية يمثل العلم ذروة سنامها. وعندما يتحول نكران الجميل من شعور داخلي أو عتب مشروع على الظروف إلى “جهر” وإساءة للرموز، فإنه يتحول من دائرة الحرية إلى دائرة “الخيانة المعنوية” التي تضرب روح الانتماء لدى الآخرين، وتزرع بذور الفتنة والإحباط في صفوف الجيل الصاعد.
إن الذين يستهجنون محاسبة من يجهر بنكران فضل الأرض التي احتضنته، يغفلون عن أن أمن الدول واستقرارها لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على “المقدسات الوطنية” التي يلتف حولها الجميع. فكما أن الجهر بالمعصية يفسد القلوب والبيوت، فإن الجهر بالإساءة للوطن يفسد العقول ويزعزع الاستقرار؛ والمحاسبة هنا ليست قمعاً للأصوات، بل هي صمام أمان يمنع تحول “الانفعال الشخصي” إلى سيف مسلط على رقبة الهوية الوطنية، فمن لا يشكر فضل الأرض التي أطعمته وآوته، لا يحق له أن يطالب بحق التعبير لتدمير رمزية هذه الأرض أمام الملأ



