قانون إعدام الأسرى: قراءة قانونية في الأبعاد الدولية والجهود الأردنية
القرار _المحامية نسرين زريقات / ناشطة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية
إن طرح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويثير إشكاليات عميقة تتعلق بالتزامات الدول بموجب المواثيق الدولية. فالقانون يتعارض مع أحكام اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر المساس بالأشخاص المحميين في النزاعات المسلحة، ويُعد في حال تطبيقه انتهاكًا جسيمًا يمكن تصنيفه كجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
الأردن كان حاضرًا بقوة في الندوات الأخيرة التي ناقشت هذا القانون، حيث خلصت التوصيات إلى ضرورة بناء موقف قانوني ودبلوماسي موحد. وقد أُشير إلى أن الأردن يمتلك أدوات مهمة لمواجهة مثل هذه التشريعات، منها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لطلب رأي استشاري يوضح مخالفة القانون للمعايير الدولية، وكذلك دعم المسار أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبار أن أي تنفيذ لهذا القانون سيشكل جريمة حرب تستوجب الملاحقة القضائية. ويُثمن هنا الدور الثابت للأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن حماية حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي هما أساس الاستقرار والأمن في المنطقة، وأن الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين واجب إنساني وقانوني لا يمكن التهاون فيه.
إلى جانب المسار الدولي، هناك إمكانية لرفع قضايا ضد إسرائيل أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية. وقد شهدنا تجارب بارزة في هذا السياق، مثل قضية بلجيكا عام 2001 ضد أرييل شارون، وتجربة إسبانيا عام 2009 ضد مسؤولين إسرائيليين بشأن جرائم ارتكبت في غزة. ورغم أن هذه القضايا واجهت ضغوطًا سياسية، إلا أنها شكلت سوابق مهمة أظهرت أن قادة إسرائيل يمكن أن يكونوا عرضة للملاحقة القانونية خارج حدودهم.
أما على مستوى الأمم المتحدة، فإن مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة قادران على إصدار قرارات تدين القانون وتعتبره مخالفًا للمعايير الدولية، وهي قرارات تحمل قيمة سياسية وقانونية كبيرة وتُستخدم كأدوات ضغط. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن مثل هذه القرارات كان لها أثر ملموس، كما حدث في إدانة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أو في القرارات المتكررة التي أدانت الاستيطان الإسرائيلي واعتبرته غير شرعي. وإلى جانب ذلك، تلعب المنظمات الدولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية دورًا مهمًا في مراقبة الأوضاع وتوثيق الانتهاكات.
من الناحية العملية، يبقى السؤال حول احتمالية تطبيق القانون. التحليل القانوني والسياسي يشير إلى أن احتمالات التطبيق المباشر ضعيفة في المدى القريب، نظرًا لما قد يترتب عليه من عزلة دولية وانتقادات واسعة. ومع ذلك، فإن مجرد طرح القانون يفتح الباب أمام تصعيد خطير ويُستخدم كأداة تهديد نفسي وسياسي ضد الأسرى وذويهم.
جدير بالذكر أن الإجراءات أمام المحكمة العليا الإسرائيلية قد تشكل عائقًا أمام تطبيق القانون، إذ إن المحكمة سبق أن رفضت تشريعات تتعارض مع المعايير الدولية أو تمس الحقوق الأساسية، مثل رفضها لقانون “تسوية المستوطنات” الذي حاول شرعنة مصادرة أراضٍ فلسطينية خاصة، وكذلك رفضها بعض القيود التي حدّت من حقوق المعتقلين الإداريين. هذا يفتح احتمالًا أن تتدخل المحكمة العليا لرفض قانون الإعدام باعتباره مخالفًا للالتزامات الدولية لإسرائيل، وإن كان ذلك مرهونًا بالظروف السياسية الداخلية.
تشير الإحصاءات إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى مطلع عام 2026 بلغ نحو 9,350 أسيرًا، بينهم 350 طفلًا و56 أسيرة، وأكثر من 3,385 معتقلًا إداريًا بلا محاكمة. هذه الأرقام تكشف حجم الفئة المستهدفة بالقانون، وتوضح أن تطبيقه سيشكل كارثة إنسانية وقانونية، ويقوض أي حديث عن التزام إسرائيل بالقانون الدولي.
إن مواجهة هذا القانون تتطلب تعزيز التوثيق القانوني للانتهاكات وتقديمها كملفات أمام المحاكم الدولية والوطنية، وتفعيل المسار القضائي الدولي عبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، والبناء على تجارب الدول التي رفعت قضايا ضد قادة إسرائيل لتوسيع نطاق الملاحقة القانونية، إضافة إلى تنسيق عربي وإقليمي بقيادة الأردن لتشكيل موقف موحد يرفض القانون ويضغط لإلغائه. كما أن تفعيل المسار الأممي عبر قرارات الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، مع الاستفادة من دور مجلس الأمن إذا لم يُستخدم الفيتو، ودور المنظمات الدولية في التوثيق والمراقبة، يشكل أدوات عملية لدعم الموقف الأردني.
خلاصة القول إن قانون إعدام الأسرى، سواء طُبّق أو ظل مجرد أداة سياسية، يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي. الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، يقف دفاعًا عن الأسرى وعن القيم الإنسانية، ويمتلك أدوات قانونية ودبلوماسية مهمة لمواجهة هذا القانون. نجاح هذه الجهود يتطلب دعمًا دوليًا واسعًا، وتوثيقًا مستمرًا للانتهاكات، وحملات توعية تضع القضية في صدارة الاهتمام العالمي. إن حماية الأسرى هي حماية للإنسانية ذاتها، وهي مسؤولية لا يمكن التهاون فيها.



