كتاب القرار الإخباري

ملو العين يكتب_رؤية ولي العهد تفتح مسارات جديدة للاقتصاد الأردني

القرار الاخباري

 

 

 

القرار الإخباري – نضال ملوالعين

 

في بعض اللقاءات، لا تكون أهمية الكلمات في تفاصيلها المباشرة فقط، بل في الاتجاه الذي ترسمه للمشهد بأكمله. ومن هذا المنطلق، جاء لقاء سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في رئاسة الوزراء، ليضع مجموعة من العناوين أمام مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، عنوانها الأبرز: كيف يستطيع الأردن أن يتحول من إدارة المتغيرات إلى صناعة الفرص؟

 

السؤال هنا يتجاوز مفهوم النمو الاقتصادي بمعناه التقليدي، لأن الاقتصاد الأردني يقف أمام عالم يتغير بوتيرة متسارعة؛ أسواق جديدة تتشكل، وتكنولوجيا تعيد تعريف القطاعات، واستثمارات تبحث عن بيئات أكثر مرونة، وسياحة لم تعد تقوم فقط على الموقع والآثار، وإنما على القدرة على صناعة التجربة وتسويقها والوصول إلى الزائر قبل أن يصل إلى وجهته.

 

ومن هنا تبدو الرؤية المطروحة أقرب إلى إعادة ترتيب أدوات العمل منها إلى إضافة ملفات جديدة إلى جدول المؤسسات.

 

فالانفتاح على الأسواق العالمية لا يعني فقط البحث عن أسواق بديلة، وإنما بناء قدرة أردنية على الحضور والمنافسة. الأردن يمتلك منتجات وخدمات وكفاءات وقصص نجاح، لكن الوصول إلى العالم يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من معرفة السوق، ولا تنتهي عند التسويق والتصدير والاستثمار.

 

وهنا تحديدا تبرز أهمية الانتقال من الاقتصاد الذي ينتظر الفرصة إلى اقتصاد يبحث عنها ويصنع لها الطريق.

 

الإدارة بدورها تقف أمام اختبار حقيقي. فالمراحل المقبلة لا تحتمل بطء الإجراءات ولا تداخل المسؤوليات ولا الخطط التي تبقى حبيسة الملفات. المطلوب إدارة تقيس أثرها، وتحدد أهدافها، وتربط الإنجاز بجدول زمني واضح، وتمنح أصحاب الاختصاص مساحة حقيقية للعمل، بحيث تصبح الكفاءة والنتيجة معيارًا أساسيًا في تقييم الأداء.

 

وفي الاقتصاد الحديث، لا تنفصل الإدارة عن الصورة التي يقدمها البلد عن نفسه.

 

فالتسويق الوطني لم يعد ترفًا، والعلاقات العامة لم تعد مجرد أدوات للترويج، بل أصبحت جزءًا من القدرة الاقتصادية للدول. العالم اليوم لا يكتفي بأن يعرف أن الأردن يمتلك مواقع سياحية واستقرارًا وموقعًا جغرافيًا وكفاءات بشرية؛ بل يحتاج إلى أن يرى هذه المزايا في رسالة واضحة ومهنية ومستمرة.

 

الأردن بحاجة إلى أن يحكي قصته للعالم بطريقة تليق بما يمتلكه.

 

وهذا ينطبق بصورة واضحة على السياحة، التي يمكن أن تكون أكثر من مجرد أرقام للزوار فالأردن لا يقدم موقعا واحدا أو تجربة واحدة، وإنما يقدم طبقات متراكمة من التاريخ والدين والثقافة والطبيعة، من البتراء إلى وادي رم، ومن المغطس إلى المدن التاريخية، وصولًا إلى تفاصيل الحياة الأردنية نفسها.

 

التحدي ليس في امتلاك هذه المقومات، وإنما في تحويلها إلى تجربة سياحية متكاملة، وإلى منتج قابل للتسويق، وإلى قصة تصل إلى السائح في الأسواق المستهدفة بالوقت والطريقة المناسبين.

 

أما التكنولوجيا، فهي المسار الآخر الذي يصعب تجاهله.

 

الاقتصاد العالمي يتحرك بسرعة نحو نماذج جديدة من العمل والخدمات والاستثمار، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية وتقنيات البلوك تشين لم تعد موضوعات بعيدة عن الحياة الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا من المنافسة على الأسواق ورأس المال والكفاءات.

 

وهنا يمتلك الأردن فرصة مهمة، خصوصًا في ظل وجود قاعدة من الكفاءات الشابة والقدرات التقنية، شريطة أن تتحول هذه الطاقات من المعرفة إلى منتجات، ومن الأفكار إلى شركات، ومن المهارات الفردية إلى قيمة اقتصادية قابلة للنمو والتصدير.

 

فالرهان الحقيقي ليس على استخدام التكنولوجيا فقط، وإنما على إنتاج قيمة من خلالها

 

ومن اللافت أن هذه المسارات جميعها تلتقي عند نقطة واحدة: الحاجة إلى شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

 

الدولة تضع البيئة والتشريعات والبنية التحتية والسياسات، والقطاع الخاص يمتلك القدرة على الحركة والاستثمار والمخاطرة وقراءة الأسواق. وبين الطرفين مساحة واسعة يمكن أن تتحول فيها الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى وظائف، والوظائف إلى نمو اقتصادي مستدام.

 

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقلية مختلفة في التعامل مع الفرص؛ عقلية لا تنظر إلى المستثمر باعتباره طالب خدمة، ولا إلى الشباب باعتبارهم باحثين عن وظيفة فقط، ولا إلى السياحة باعتبارها موسمًا، ولا إلى التكنولوجيا باعتبارها قطاعًا منفصلًا، وإنما تنظر إلى هذه العناصر باعتبارها أجزاء من اقتصاد واحد.

 

ما يلفت في مضامين لقاء سمو ولي العهد هو هذا الاتساع في زاوية النظر؛ فالقضية ليست قطاعا دون آخر، وإنما إعادة بناء طريقة التفكير في الاقتصاد والعمل الحكومي والتسويق والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا.

 

الأردن لا يبدأ من الصفر، وهذه نقطة يجب البناء عليها. لديه موقع، وكفاءات، وإرث تاريخي، وعلاقات دولية، وقطاعات اقتصادية متنوعة، وتجارب تراكمت عبر سنوات. لكن تحويل هذه المقومات إلى فرص أكبر يحتاج إلى سرعة في التنفيذ، ووضوح في الأولويات، وجرأة في تطوير الأدوات.

 

وفي نهاية المطاف، فإن قيمة أي رؤية لا تقاس بعدد العناوين التي تحملها، بل بقدرتها على الانتقال من الورق إلى الواقع.

 

وهنا تكمن مسؤولية المرحلة المقبلة: أن تتحول الرسائل إلى خطط، والخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج يلمسها المواطن والمستثمر والزائر والشاب الأردني.

 

فالأردن الذي يتعامل مع المستقبل بعقلية الاستعداد فقط، سيبقى في موقع الانتظار، أما الأردن الذي يقرأ التحولات مبكرًا ويعيد توظيف إمكاناته فيها، فيستطيع أن يجعل من المتغيرات الاقتصادية العالمية مساحة جديدة للحركة والنمو.

 

وهذه هي المساحة التي تستحق أن يُبنى عليها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى