حين تتقدم الدولة على الأزمات.. قراءة في المشهد الأردني

القرار الإخباري _كتب _ العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي
أكتب هذه الكلمات لا من موقع المتابع البعيد، ولا من زاوية العابر على المشهد، وإنما من موقع من عاش سنواتٍ في الشأن العام، وتابع تفاصيله، واقترب من صناعة القرار، وعرف أن الدولة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله حين تكون الظروف أصعب من المعتاد
ولهذا، كلما نظرت إلى المشهد الأردني اليوم، أجد نفسي أمام حقيقة أؤمن بها أكثر مع مرور الوقت: الأردن كان دائما أكبر من أزماته.
ربما لأننا اعتدنا، بحكم موقعنا في هذه المنطقة، أن نعيش وسط أحداث متسارعة، وأن نرى دولًا تتغير مواقفها، وتحالفات تتبدل، وأزمات تتوالد من أزمات. لكن وسط كل ذلك، بقي الأردن محافظًا على هدوئه، وعلى ثوابته، وعلى شخصيته السياسية التي يعرفها القريب والبعيد
ومن تجربتي، أدركت أن الاستقرار ليس كلمة تُقال في المناسبات، وإنما حالة تُبنى كل يوم، وتحتاج إلى مؤسسات تعرف مسؤولياتها، وقيادة تقرأ المشهد بعين أبعد من اللحظة، ومواطن يؤمن بأن مصلحة وطنه تسبق كل اعتبار
وأكثر ما يلفتني في التجربة الأردنية هو قدرة الدولة على أن تتحرك في الوقت الذي تحتاج فيه إلى الحركة، وأن تحافظ على توازنها في اللحظة التي يميل فيها كثيرون إلى الانفعال
وهذه، في اعتقادي، واحدة من أهم نقاط القوة في الشخصية السياسية الأردنية
أنا مؤمن بأن الأردن لا يحتاج إلى أن يشبه أحدًا. قوته في خصوصيته، وفي تجربته، وفي قدرته على بناء علاقاته مع الجميع دون أن يفقد بوصلته
وقد تعلمت من السنوات أن السياسة ليست دائمًا في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة التصريحات؛ أحيانًا تكون السياسة الحقيقية في الصمت المحسوب، وفي الموقف الواضح، وفي اختيار التوقيت المناسب
وحين أتحدث عن الأردن، فإنني لا أتحدث فقط عن حدود وجغرافيا ومؤسسات، بل أتحدث عن وطن ارتبطت به ذاكرتنا، وعن تفاصيل صغيرة صنعت في داخلنا معنى الانتماء
أتحدث عن الإنسان الأردني الذي تعلم أن يصنع من القليل كثيرًا، وأن يقف في الظروف الصعبة كما يقف في الأيام الجميلة، وأن يحافظ على كرامته وعلى وطنه حتى عندما تكون الحياة قاسية
ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة ثقة
ثقة بالدولة، وثقة بالمؤسسات، وثقة بالإنسان الأردني، وثقة بأن ما نملكه من كفاءات وخبرات وعقول قادرة على أن تصنع فارقًا حقيقيا
أنا لا أنظر إلى الأردن باعتباره بلدًا ينتظر أن تنتهي أزمات المنطقة حتى يبدأ بالبناء؛ بل أراه بلدًا يستطيع أن يبني وهو يواجه التحديات، وأن يحول موقعه وخبرته وعلاقاته إلى فرص جديدة
وهنا تحديدًا، أرى أن الشباب يجب أن يكونوا في قلب هذه المرحلة
فالشاب الأردني اليوم يحمل أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة؛ معرفة، وتكنولوجيا، وقدرة على التواصل مع العالم، وأفكار يمكن أن تتحول إلى مشاريع وفرص. وما يحتاجه هو المساحة والثقة والفرصة
وأنا، بعد سنوات من العمل والاقتراب من الناس والشأن العام، أصبحت أكثر قناعة بأن الدول لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالإنسان الذي يؤمن أن له دورًا في صناعة مستقبلها
لذلك، حين أقول إن الأردن يتقدم على الأزمات، فأنا لا أقصد أن الطريق خالٍ من التحديات، بل أقصد أنني أرى في الدولة الأردنية قدرة على النظر إلى الأمام، وعدم السماح للظرف الطارئ بأن يسرق منها رؤيتها للمستقبل
هذه ليست مجاملة سياسية
إنها قناعة تشكلت لدي من التجربة
وفي كل مرة يمر الأردن بمنعطف، أجد أن أكثر ما يستحق الانتباه ليس حجم العاصفة، وإنما الطريقة التي يحافظ بها الوطن على توازنه وهو يعبرها
ولهذا أكتب اليوم بثقة: الأردن ليس دولة تنتظر المستقبل، بل دولة تعمل من أجله
قد تختلف الظروف، وقد تتغير المعادلات، وقد تأتي أيام تحتاج منا إلى مزيد من الصبر والعمل، لكن الثابت بالنسبة لي أن هذا الوطن يمتلك ما هو أهم من الظروف: يمتلك دولة، ويمتلك مؤسسات، ويمتلك قيادة، ويمتلك شعبًا يعرف قيمة وطنه
وهذه هي الثروة التي لا تظهر في جداول الاقتصاد، ولا تقاس بالأرقام
إنها الثقة
وثقتي بالأردن، بعد كل ما رأيت وعايشت، ليست عاطفة عابرة؛ إنها قناعة رجلٍ عرف أن الأوطان الكبيرة لا تُقاس بسهولة أيامها، وإنما بقدرتها على عبور الأيام الصعبة وهي أكثر قوةً وثباتا
الأردن بالنسبة لي ليس مجرد مشهد أراقبه، بل وطن أراهن عليه



