زيارة الملك للصين: خمسون عاماً من الصداقة الأردنية الصينية.. إرثٌ يمهد للمستقبل
القرار الاخباري

القرار الإخباري _كتب سعادة النائب الدكتور أيمن البدادوة
تتوج الزيارة الرسمية التي أجراها جلالة الملك عبدالله الثاني، يوم أمس، إلى جمهورية الصين الشعبية، محطة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، متجاوزةً الأطر التقليدية للتعاون الاقتصادي والتجاري لتلامس جوهر الشراكة الاستراتيجية الشاملةوتأتي هذه الخطوة الدبلوماسية الهامة ونحن نقف على أعتاب الاحتفال بمرور خمسة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فبينما تحصي لغة الأرقام حجم الاستثمارات والمشاريع المشتركة، يتكئ هذا البناء الاقتصادي المتين على قاعدة راسخة من الوعي الثقافي والمجتمعي المتبادل الذي رسخته سنوات طويلة من التقارب
ويبرز هذا التناغم جلياً في التفضيل السياحي المتبادل، حيث تشكل الصين وجهة ملهمة تعكس سحر الشرق وتراثه الإنساني العريق وفي الاتجاه المقابل، تجسد الحفاوة الأردنية بالفنون الصينية روح الانفتاح الحضاري ويتجلى ذلك بوضوح في حضور الفرق التراثية والفنية القادمة من مختلف المقاطعات الصينية لتبهج جمهور مهرجان جرش للثقافة والفنون، حيث تتلاقى الإبداعات لتصل حد مشاركة الأغاني الوطنية الأردنية والتراثيةولا يقتصر هذا الحراك على المهرجانات الكبرى، بل يتواصل عبر برامج المركز الثقافي الصيني في عمّان ومنصات التبادل المعرفي التي تفتح أبوابها أمام الكفاءات وشباب الأردن لصقل خبراتهم
لقد غدت اللغة الصينية اليوم رافداً حيوياً من روافد المعرفة في الجامعات والمعاهد الأردنية، بوصفها لغة العصر والتجارة العالمية، مدعومة بمسابقات دولية كبرى مثل “جسر اللغة الصينية” ويعكس هذا الإقبال تفاعلاً أردنياً عميقاً مع النموذج الصيني المتكامل ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً واعترافاً بدور بيجين المتوازن في منطقة ملتهبة بالأزمات. كما أن استثمار “طريق الحرير” الحديث لم يقف عند حدود التبادل التجاري، بل تحول إلى جسر ثقافي فريد يعزز التقارب ويحتفي بالميزات النسبية للطرفين، وتوج بخطوة التوأمة الرمزية بين سور الصين العظيم والمدينة الوردية
وفي المشهد المقابل، يحظى الإرث الأردني العريق المكلل بمواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو بتقدير واسع لدى الأوساط الصينية. ولم تعد اللغة العربية غريبة في المقاطعات الصينية، بل يتقنها الكثيرون وصولاً إلى الإلمام باللهجة الأردنية الدارجة، وهو ما يعكس رغبة حقيقية من دولة كبرى تؤمن بسيادة الشعوب وتدعم القضايا العربية. وكما يؤكد السفير الصيني في عمّان، قوة وي، فإن الدعم الصيني لمواقف الأردن ينطلق من رؤية حكيمة تثمن دور جلالة الملك في إرساء دعائم الاستقرار، بينما تشكل طلاقة السفير في اللغة العربية رمزاً حياً لعمق التبادل اللغوي والحضاري بين الشعبين
ولا تنقطع هذه الروابط عند حدود السياسة والاقتصاد، بل تتجسد في فعاليات نوعية كأسبوع الفيلم الصيني بالشراكة مع الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وعروض الفنون التشكيلية والمسرح والدراما ولعل أبرز عناوين هذا التلاحم الثقافي يتجسد في برنامج “لقاء الشاي والقهوة”، الذي يحتضنه المركز الثقافي الصيني في عمّان جامعاً نخبة من المبدعين والمفكرين الأردنيين والصينيين في حوار حضاري راقٍ يترجم بصدق امتزاج ثقافتين عظيمتين تنبضان بروح الصداقة الإنسانية
خلاصة القول، إنّ زيارة جلالة الملك إلى بيجين تثبت مجدداً أنّ الشراكة الأردنية الصينية أعمق من أن تُختصر في اتفاقيات تجارية أو أرقام اقتصادية؛ فهي صرح حضاري يترسخ جذره يوماً بعد يوم بلغة الثقافة وتاريخ العراقة وإنّ التقاء الرؤى الحكيمة لقائدي البلدين يمهد الطريق لمستقبل واعد من التعاون المستدام، لتظل الأردن والصين نموذجاً حياً للصداقة الحقيقية وطموحات الشباب نحو عالم أكثر سلاماً وتقارباً




