
القرار _بقلم: مريم بسام بني بكار القادري
لم يعد اختراق الحدود هزيمةً للدول، بل أصبحت الهزيمة الحقيقية حين يُعاد تشكيل وعيها الرقمي من الداخل. ولم تعد الحروب تُقاس باتساع الجغرافيا أو حجم الجيوش، بل بقدرة الخصوم على تحريف البيانات، واستهداف نماذج التعلّم الآلي، والتأثير في أنظمة اتخاذ القرار.
في هذا العصر، حيث تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عقلٍ موازٍ للدولة، باتت الخوارزميات بنيةً سيادية غير مرئية، تُصاغ داخلها القرارات، ويُعاد عبرها تشكيل الواقع. ومن هنا، لم يعد الخطر في سقوط الأنظمة، بل في انحراف المنطق الذي يحكمها، عندما تُمسّ نزاهة العقل الاصطناعي دون أن تُمسّ الشبكات.
أخطر أشكال العدوان المعاصر لا يُعطّل النظام، بل يُقنعه بالكذب. فعندما تُسمَّم البيانات وتُزرع تحيّزات دقيقة في نماذج التنبؤ، تستمر الدولة في العمل بكفاءة ظاهرية، بينما تُقاد سياساتها نحو استنتاجات مُصطنعة. هنا لا يُختطف النظام، بل يُختطف القرار، وتتحول الخوارزمية من ضميرٍ حسابي إلى شاهد زور، يتحدث بلغة العقل ويخدم منطقًا خفيًا.
في هذا المشهد، يتضح إدراك الأردن أن التحول الرقمي دون سيادة خوارزمية يُعد مخاطرة وجودية، في إقليم شديد الاضطراب.
لذلك، يتعامل الأردن مع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بوصفهما جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، حيث تتقدّم حماية القرار الرقمي جنبًا إلى جنب مع حماية الحدود، وتُعامل البيانات والخوارزميات باعتبارها موارد سيادية لا تقل حساسية عن الأرض.
ولا شك أن اعتماد الدول على الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات واستشراف المخاطر يجعل التلاعب بالخوارزميات شكلًا من أشكال الاغتيال الصامت للسيادة. فلم يعد القرار يُتخذ في الغرف المغلقة وحدها، بل داخل معادلاتٍ من يملك مدخلاتها يملك مخرجاتها. هذا التهديد، الغائب إلى حدٍّ كبير عن الخطاب العربي، والحاضر بقوة في مراكز التفكير العالمية، يفرض على الدول الساعية إلى التحول الرقمي أن تنتقل من مجرد حماية الشبكات إلى حماية الحقيقة الرقمية ذاتها.
إن أي تلوثٍ يصيب الخوارزميات يعيد صياغة أولويات الدولة، ويحوّل التحليل الاستشرافي إلى وهمٍ مُبرمج، فتُستنزف الإرادة قبل أن تُفقد الأرض. وفي هذا السياق، لا تعني السيادة الرقمية حماية البنى التحتية فحسب، بل ضمان نزاهة الخوارزميات واستقلالية الذكاء الاصطناعي في توجيه القرار الاستراتيجي. فمن يسيطر على الخوارزميات، يكتب مصير الدول في صمت.
إن أخطر الحروب القادمة لن تُعلن، ولن تُرى، لكنها ستُدار داخل الخوارزميات. ومن لا يحمي عقل دولته الاصطناعي، سيخسر قراره قبل أن يخسر معركته.



