سلطة التراث وقوة الرمز: فلسفة المظهر وظهور وزير الثقافة بالزي العربي

القرار الاخباري
في عالم تسوده القوالب النمطية والبروتوكولات الرسمية الجامدة، تتجلى بوضوح ثنائية الشكل والجوهر؛ حيث تشبه البدلة الرسمية الموحدة القالب الإداري المصمت الذي يفرغ المسؤول من ملامحه المحلية، بينما يشبه الزي الشعبي الروح النابضة التي تعيد ربط الرمز بجذوره وما لفتني شخصياً وكنت حاضراً أتابع تفاصيل المشهد عن قرب في مهرجان جرش أن ظهور وزير الثقافة مصطفى الرواشدة بزيّه العربي التقليدي الأصيل، الدشداشة الرمادية، والجاكيت الكحلي، والشماغ الأبيض، لم يكن مجرد خيار عابر في الملبس، بل كان تحولاً فلسفياً عميقاً يشبه تماماً كسر حاجز العزلة بين صانع القرار ووجدان الشارع الأردني
تشبه البدلة الإفرنجية في جوهرها الجدار العازل المصنوع من رتابة البيروقراطية، والذي يشيد مسافة فاصلة وغير مرئية بين هيبة الكرسي ونبض الناس وفي المقابل، يشبه الزي الشعبي النافذة المفتوحة التي تتدفق من خلالها عفوية البيئة المحلية ودفء التواصل الحقيقي. وكما يحاول صناع المحتوى اليوم استخدام الموروث كقوة ناعمة للتقارب، جاءت خطوة وزير الثقافة لتمسح تلك المسافة المصطنعة التي عاينتها بنفسي، مستندةً إلى أصيل هيئته كابن بار للكرك، لا إلى استعراض عابر للوسائل الإعلامية، لتثبت أن العفوية هي ما افتقده الجمهور في خطابات البيروقراطية التقليدية
إن الهوية الوطنية تتجاوز بكثير حدود الشعارات المكتوبة التي تشبه الهياكل الورقية المفتقرة إلى الحياة ما لم تترجمها الممارسة الفعلية على الأرض. وحين يرتدي المسؤول زيه الوطني في المحافل الكبرى التي شهدناها، فإن المشهد يشبه المرآة الحية التي تعكس هيبة الدولة المستمدة من عمق التاريخ لا من تكلف القواعد الشكلية. ومثلما يحتاج أي بنيان إلى أساس متين، فإن إدراج الزي الشعبي في المناسبات الكبرى يشبه تماماً إعادة ضبط البوصلة نحو جوهر الهوية الأردنية الخالصة، ليكون جزءاً أساسياً من الهوية البصرية لممثلي الدولة
وما قدمه الرواشدة يقع حقاً في باب الجرأة الوطنية المحمودة، حيث يشبه البروتوكول القاتل القفص الزجاجي الذي يحد من حركة المسؤول ويجعله أسير القوالب الجاهزة، بينما تشبه الجرأة الوطنية مشرط الجراح الذي يزيل زوائد التكلف ليُبقي على نقاء التواضع إن الانتماء الحقيقي يشبه الظل الصادق الذي لا يمكن تزييفه بالبدلات الرسمية، بل يتبع صاحبه حيثما حل والتصق بهموم الشارع وموروثه العريق، فتحيةً لكل مسؤول يدرك أن هيبته الحقيقية تكمن في تواضعه واعتزازه الدائم بتفاصيل هويته.


