كتاب القرار الإخباري

سراج من منبر التاريخ: كيف غيّر ميلاد النبوة وجه العالم؟

 

 

القرار الإخباري _كتب _العين السابق عبد الحكيم محمود الهندي

 

 

حين يتأمل التاريخ البشري منعطفاته الكبرى، يتوقف مطولاً عند اللحظة التي أشرقت فيها شمس النبوة، لا بوصفها حدثاً زمنياً عابراً، بل باعتبارها الزلزال الروحي والأخلاقي الأعظم الذي أعاد صياغة إنسان ما قبل الإسلام، وأخرج البشرية من تيه الجاهلية وظلمات الضلال إلى رحاب النور والهداية

إنها اللحظة التي وثقها القرآن الكريم ببيان إلهي يلامس شغاف القلوب: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوسَ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»لقد جاء الخاتم صلى الله عليه وسلم ليكون امتداداً لرحمة ربانية صاغها الوصف القرآني بأدق تفاصيل القرب والشفقة: «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»

لقد أتى محمد صلى الله عليه وسلم، فقلع من جذورها رواسب الشرك، واجتث عروق جاهلية عمياء، ليرفع راية التوحيد الخالصة “لا إله إلا الله” متلبساً بأوصاف المعجزة النبوية التي رسمها الخالق جل جلاله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»

ولم تكن رسالته نصوصاً مجردة، بل تجسدت حيةً في سلوكه الإنساني الفذ. لقد توج المولى عز وجل مسيرته بشهادة خالدة: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، ليصنع مدرسة في القيادة والأخلاق، لطالما أقرّ بها القريب والبعيد؛ فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، بل كان التجسيد الحي لحديثه الشريف: «إنَّ مِنْ خيارِكم أحسنِكم أخلاقاً»جمع في شخصيته أروع ثنائيات الكمال البشري: أشد الناس خشية لله وأعظمهم تقوى، وأجودهم يداً، وأشجعهم قلباً، وألينهم جانباً، استجابةً للفيض الإلهي: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»

وأمام هذه الملحمة النبوية المتكاملة، تبرز حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم بوصفها بوصلة الانتماء وميزان الإيمان الحقيقي. ولعل في مقدمتها طاعته المطلقة واتباع سنته، مصداقاً للمعادلة الإلهية الحاسمة: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ»كما يمتد هذا الحق إلى الإيمان الجازم بعصمته، وتوقيره، والانتصار لعرضه الشريف، ورفض أي مساس بمكانته، تبرأً ومقتاً لمن تطاول أو أساء، فمن دونه تهون النفوس

صلوات ربي وسلامه الأفيان العاطران على نبي الهدى، محمد بن عبدالله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى