نبيل أبوالياسين : سيدة أمريكا الأولى السابقة : تخرج عن صمتها .. وتهاجم ترامب

من قلب حدادها الشخصي على والدتها، ومن أعماق ذلك “الحفرة العميقة في المعدة” والشعور الملموس بالخشية من المستقبل، خرج صوت ميشيل أوباما مرة أخرى ليس فقط ليعبر عن الحزن، بل ليتحول إلى صرخة مقاومة. في خطابها المؤثر بالمؤتمر الوطني الديمقراطي، لم تتردد السيدة الأولى السابقة في توجيه انتقادات حادة لخصمها السياسي، دونالتزام بشعار “عندما ينخفضون، نرتقي” الذي اشتهرت به. جاء كلامها مفعمًا بالحزن والغضب والأمل في آن واحد، كنداء أخير للاستيقاظ قبل أن تعلق مستقبل الأمة على كفة الميزان .
من “نرتقي” إلى نضرب بقوة: تحول في الخطاب
لطالما ارتبطت ميشيل أوباما بشعار “عندما ينخفضون، نرتقي” الذي أطلقته في مؤتمر 2016 . لكن خطابها الأخير في شيكاغو يمثل تحولاً واضحاً في هذا النهج. لم تعد “الارتقاء” فوق الخصم، بل هي الآن مواجهة مباشرة. وبدلاً من الدعوة إلى التجاهل، وصفت تكتيكات ترامب بأنها “تافهة وغير صحية وبصراحة لا تليق بمنصب الرئاسة”. هذا التغير لا يعكس فقط تطور استراتيجية الحزب الديمقراطي، بل يعكس أيضاً اقتناعاً شخصياً لديها بأن “الأمل يعود” من خلال المواجهة الواضحة وليس الصمت النبيل .
هجوم مباشر: من “المؤامرة” إلى “وظائف السود”
لم تترك السيدة أوباما مجالاً للشك في أسباب هجومها، فاستحضرت مباشرة الماضي المؤلم عندما كان ترامب وأتباعه يروجون لنظرية “الولادة” التي تشكك في جنسية وزوجها باراك أوباما، واصفة إياها بـ”الأكاذيب العنصرية”. وحذرت من أن نائبة الرئيس كامالا هاريس ستواجه حتماً “تشويهاً للحقيقة” بنفس الطريقة. لكن اللحظة الأكثر لفتاً للانتباه كانت عندما استخدمت حس الدعابة سلاحاً، فسألت الجمهور بسخرية لاذعة: “من سيخبره أن الوظيفة التي يسعى إليها الآن قد تكون إحدى ‘وظائف السود’ تلك؟” في إشارة مباشرة إلى التصريح المثير للجدل الذي أدلى به ترامب حول المهاجرين و”وظائف السود” .
النساء والدفاع عن الحقوق: رسالة قوية في توقيت حاسم
جاءت تصريحات ميشيل أوباما معززةً برسالة قوية للمجلة حول ضرورة وقوف النساء ضد محاولات إسكاتهن. إن إصرارها على تذكير نفسها كل يوم بأنها “ذكية، وجميلة، ولطيفة، وجديرة” ليس مجرد تمرين للتحفيز الذاتي، بل هو فعل مقاومة في وجه ثقافة قد لا تعترف دائمًا بقيمة المرأة، وخاصة المرأة الملونة. كلماتها تؤكد أن المعركة من أجل المساواة لم تنته، وأنه في ظل محاولات السلطة لإسكات الأصوات المختلفة، يصبح من الأهمية بمكان أن “نقاتل لنذكر أنفسنا بأننا مهمون” .
صوت آخر في المعركة: غولدبرغ تنتقد أوباما!
في تطور لافت، لم يكن الانتقاد موجهاً لترامب فقط، بل دار أيضاً داخل المعسكر الديمقراطي نفسه. فقد شنّت المذيعة الشهيرة ووبي غولدبيرج هجوماً على الرئيس السابق باراك أوباما والملياردير مارك كوبان بعد أن وصفا استجابة الديمقراطيين لإجراءات ترامب بأنها “أنين”. غولدبرغ دافعت بحماسة عن الناخبين الديمقراطيين، قائلة إن “الشعب” هو من كان في الخطوط الأمامية ينظم المسيرات العملاقة دفاعاً عن حقوق التقاعد والأطفال، مؤكدة أن الانتقادات يجب أن توجه إلى “المسؤولين المنتخبين” وليس إلى الجماهير التي أظهرت غضباً حقيقياً طوال فترة ترامب .
استراتيجية جديدة: من التخويف إلى السخرية
يبدو أن نهج أوباما يعكس استراتيجية ديمقراطية جديدة في مواجهة ترامب. فبدلاً من الخطاب التقليدي الذي يرسمه كخطر مظلم على الديمقراطية، تحولت اللغة إلى السخرية والتحقير. باراك أوباما نفسه شبه ترامب في خطاب له بـ”الجار الذي يواصل تشغيل منفاخ الأوراق خارج نافذتك كل دقيقة من كل يوم”. هذا الأسلوب يهدف إلى تقليص صورة الرجل الذي يبدو أحياناً غير قابل للإيذاء، وتحويله من “شرير جبار” إلى “شخص غريب ومتعب”، وهي صفة التصقت به بعد أن بدأت حملة كامالا هاريس وزميلها تيم والز في وصفه بـ”الغريب” .
الاستقطاب السياسي: انتقاد أوباما للمؤسسات المترددة
من جانبه، لم يقتصر دور الرئيس السابق باراك أوباما على دعم المرشحة الرئاسية، بل امتد لانتقاد حاد للمؤسسات التي تراجعت عن قناعاتها خلال إدارة ترامب. في إحدى حلقات البودكاست، دعا الجامعات وشركات المحاماة والشركات إلى “اتخاذ موقف” حازم والدفاع عن الحريات الأكاديمية وتقدير التنوع. وشدد على أن هذه المؤسسات يجب ألا تتهاون في قيمها الأساسية خوفاً من فقدان التمويل الحكومي، معرباً عن استيائه من تلك التي غيرت سياستها لـ”إنهاء التحقيقات أو تجنب الاستهداف” من قبل البيت الأبيض .
أيتها النساء، أيها الشعب، أيها المؤمنون بالعدالة..
واختم مقالي بالقول: لقد حان وقت المعركة الحقيقية! ميشيل أوباما لم تعد تنتظر من يقودها، بل أعلنت من على المنصة أن “مصيرنا بين أيدينا”. إنها ليست مجرد خطابات، بل هي صرخة في وجه اللامبالاة، وتذكير بأن “الارتقاء” لا يعني التراجع. لقد سقط القناع وأصبحت المواجهة وجهاً لوجه. المعركة ليست بين حزبين، بل بين مستقبل يضم الجميع وماضٍ يريد إسكاتنا. الوقوف اليوم ليس خياراً، بل هو واجب. فإما أن نكون صامتين للأبد، أو نصرخ معاً: لن نسمح بإسكاتنا بعد اليوم!”مشيل أوباما وثورة نسائية ضد سياسة ترامب.



