نبيل أبوالياسين: أمريكا وفرنسا .. تحول تاريخي في دعم إسرائيل يهزّ التحالفات التقليدية
القرار_Al7asem

في لحظة مفصلية تشهد تحولاً جيوسياسياً غير مسبوق، تتهاوى أركان التحالف التقليدي بين اليمين الأمريكي وإسرائيل تحت وطأة الغضب الشعبي والانعزالية والرفض المتصاعد لجرائم الحرب في غزة. المشهد لم يعد يقتصر على الاحتجاجات الليبرالية، بل امتد إلى قلب معاقل المحافظين، حيث يعلو صوت جيل جديد يرفض تمويل حرب لا نهاية لها. وفي منعطف آخر، تتصاعد الأزمة الدبلوماسية بين باريس وواشنطن بعد اتهامات أمريكية لفرنسا بـ”تقصير مكافحة معاداة السامية”، في إشارة إلى انهيار متعدد الجبهات في النظام الدولي التقليدي الداعم لإسرائيل.
تحول اليمين الأمريكي – قبضة
إسرائيل الحديدية تترنح
لم يعد الحزب الجمهوري كتلة صماء في دعم إسرائيل، حيث تشققت وحدته تحت ضغط التحول الجيلي والغضب من الفظائع في غزة. شخصيات بارزة مثل مات غايتز، الذي كان من أشد المدافعين عن إسرائيل، يوجه الآن انتقادات لاذعة لسياساتها، متسائلاً عن طبيعة “الديمقراطية” الإسرائيلية التي تحرم العرب من حقوق التصويت. هذا الانزياح لم يعد هامشياً، بل أصبح تياراً متصاعداً داخل حركة “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، مدعوماً بأصوات مؤثرة مثل تاكر كارلسون وستيف بانون، الذين يعارضون التدخل العسكري الأمريكي في حرب إسرائيل الإيرانية. حتى أن بعض الأصوات المتطرفة تجاوزت النقد إلى نظريات المؤامرة المعادية للسامية، مما يهدد بتقويض التحالف التاريخي بين اليمين الأمريكي وإسرائيل.
الصحافة الشعبية وتأثيرها – معركة السرد خارج الإعلام التقليدي
لم يعد النقاش محصوراً في قاعات الكونغرس، بل انتقل إلى منصات البودكاست ويوتيوب، حيث يشن معلقون مثل جو روغان وديف سميث هجمات شرسة على الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. هذه المنصات، التي تجتذب الملايين، تكرس رواية بديلة ترفض “الحرب الأبدية” في الشرق الأوسط وتدعو إلى إعادة توجيه الموارد لخدمة المصالح الأمريكية الداخلية. في المقابل، تحاول جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل مثل “إسرائيل 365” تدريب المؤثرين المسيحيين لمواجهة هذه الرواية، لكنها تبدو في موقف دفاعي أمام زخم التغيير الذي يقوده جيل رقمي متشكك في الرواية الرسمية.
المسيحية الصهيونية تحت الضغط – شرخ في حصن الدعم التقليدي
لم يسلم حتى التحالف المسيحي الصهيوني، العمود الفقري للدعم الأمريكي لإسرائيل، من تأثير هذه التحولات. ضربة إسرائيل على الكنيسة الكاثوليكية في غزة وهجمات المستوطنين على مدينة الطيبة المسيحية أثارت موجة إدانة في وسائل الإعلام المسيحية، مما دفع بالسفير الأمريكي لدى إسرائيل إلى زيارة طيبة في خطوة غير مسبوقة. حتى أن قادة مثل تشارلي كيرك، رئيس منظمة “تيرننغ بوينت” المؤيدة لترامب، أجروا مجموعات نقاش مع طلاب ينتقدون دعم إسرائيل، في اعتراف صريح بتآكل التأييد بين الشباب الإنجيلي، الذين لم يعودوا يقبلون بالرواية التقليدية لـ”أرض الميعاد”.
الأزمة الفرنسية الأمريكية – تداعيات دبلوماسية بعيداً عن غزة
لم تقتصر التداعيات على أمريكا، بل امتدت إلى أوروبا، حيث أشعلت التصريحات الأمريكية اتهامات لفرنسا بـ”تقصير مكافحة معاداة السامية” أزمة دبلوماسية غير مسبوقة. باريس استدعت السفير الأمريكي رافضة هذه الاتهامات، ومتهمة واشنطن بـ”انتهاك القانون الدولي” و”التدخل في الشؤون الداخلية”. هذه الأزمة تأتي في سياق خلاف أوسع بعد إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون نيته الاعتراف بدولة فلسطينية، مما وضع فرنسا في مواجهة مباشرة مع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وكشف عن شرخ عميق في الغرب حول كيفية التعامل مع الصراع.
وختامًا: الانهيار لم يعد قادماً.. بل هو هنا. التحالف التاريخي بين أمريكا وإسرائيل يشهد أعنف اختبار في تاريخه، بينما تتهاوى التحالفات واحدة تلو الأخرى تحت وطأة الغضب الشعبي والانعزالية والرفض الأخلاقي لإبادة غزة. جيل جديد يرفض أن تدفع أمريكا ثمن حروب إسرائيل، وحلفاء تقليديون مثل فرنسا يدخلون في مواجهة مفتوحة مع واشنطن. الرسالة واضحة: النظام القديم الذي ظل يدعم إسرائيل بلا قيد أو شرط يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم يعد من الممكن تجاهل كلفة هذا الدعم على المصداقية الأمريكية والاستقرار العالمي. التاريخ يشهد، والشعوب تحكم، والسؤال الآن: هل ستتغير السياسات أم أن الغرب سيظل غارقاً في أوهامه حتى الانهيار الكامل؟.



