كتاب القرار الإخباري

الهندي يكتب: حين يترأس ولي العهد طاولة الحكومة

القرار الاخباري

 

 

القرار الإخباري _العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي

 

ليست كل الصور الرسمية متشابهة، فبعضها ينتهي بانتهاء المناسبة، وبعضها يبقى حاضراً لأنه يحمل في تفاصيله معنى أكبر من المشهد نفسه.

 

وحين يجلس سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى طاولة مجلس الوزراء ويترأس جانباً من الجلسة، فإن الصورة تكتسب دلالتها من طبيعة المكان والملفات المطروحة والمرحلة التي يمر بها الأردن.

 

مجلس الوزراء هو المكان الذي تتحول فيه التوجهات العامة إلى سياسات وبرامج وقرارات، ولذلك فإن حضور ولي العهد في هذا الإطار يضع فكرة المتابعة في قلب المشهد.

 

المسألة هنا ليست في اجتماع جديد يضاف إلى جدول الاجتماعات، وإنما في الاقتراب المباشر من تفاصيل العمل الحكومي، والاستماع إلى ما يجري على أرض الواقع، ووضع الأولويات أمام أصحاب القرار التنفيذي.

 

وهذه الطريقة في المتابعة تعكس أهمية أن تكون المسافة بين صاحب القرار والملف التنفيذي قصيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

 

فالأردن يعمل في محيط سريع التغير، وما يحدث في الإقليم والأسواق العالمية يمكن أن يترك آثاره على الاقتصاد والتجارة وحركة السلع والاستثمار والسياحة.

 

لذلك، فإن الدولة التي تستعد مسبقاً تكون أكثر قدرة على التعامل مع المفاجآت، والدولة التي تعرف أولوياتها تستطيع توزيع مواردها وطاقاتها وفق ما تحتاجه المرحلة.

 

ومن هنا جاءت الملفات التي كانت حاضرة في الاجتماع؛ ليس باعتبارها عناوين منفصلة، وإنما باعتبارها أجزاء من الصورة الوطنية الأوسع.

 

تأمين السلع الأساسية والمحافظة على كفاءة سلاسل التوريد يعني حماية السوق من الاضطرابات.

 

والعمل على تحسين مستوى معيشة المواطنين يعني أن السياسات العامة يجب أن تلامس احتياجات الناس اليومية.

 

وتوسيع التعاون مع دول العالم يعني البحث عن مجالات جديدة يمكن أن يستفيد منها الاقتصاد الأردني.

 

والاهتمام بالسياحة والنقل والتكنولوجيا يعني تطوير أدوات تستطيع المملكة من خلالها أن تعزز قدرتها على المنافسة.

 

لكن القيمة الحقيقية لأي من هذه المسارات لا تظهر داخل قاعة الاجتماع.

 

هناك، تبدأ المسؤولية.

 

أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما تغادر القرارات الطاولة وتتجه إلى المؤسسات والوزارات والميدان.

 

وهنا تبرز أهمية المتابعة الحكومية؛ فالخطة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تبقى فكرة، والقرار الذي لا يُقاس أثره يصعب معرفة مدى نجاحه، والمشروع الذي لا يلمس المواطن نتائجه يحتاج إلى مراجعة أدواته.

 

ولذلك فإن المرحلة تحتاج إلى ثقافة إدارية تقوم على السؤال المستمر: ماذا أنجزنا؟ وما الذي تعطل؟ ولماذا؟ وما الخطوة التالية؟

 

هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمثل جوهر الإدارة الحديثة.

 

وفي المشهد نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي.

 

الأردن يحتاج إلى جذب الاستثمارات وتوسيع الأسواق وتحسين البيئة أمام القطاع الخاص، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى تقوية بنيته الداخلية حتى يكون قادراً على استقبال الفرص.

 

فالموقع الجغرافي لا يتحول وحده إلى ميزة اقتصادية، بل يحتاج إلى طرق ونقل وموانئ وخدمات ولوجستيات وتشريعات وكفاءات.

 

والعقبة لا تكون مجرد بوابة بحرية، بل يمكن أن تكون جزءاً من منظومة أوسع لحركة التجارة والخدمات.

 

والتكنولوجيا لا تكون مجرد أجهزة وأنظمة، وإنما وسيلة لتحسين طريقة عمل المؤسسات واتخاذ القرار.

 

والسياحة لا تعتمد فقط على وجود المواقع، بل على جودة التجربة التي نقدمها للزائر.

 

هذه التفاصيل هي التي تجعل العمل الحكومي مترابطاً، وهي التي تفسر الحاجة إلى رؤية تتجاوز حدود الوزارة أو القطاع.

 

وفي هذا السياق، فإن دور مجلس النواب لا يقل أهمية؛ فالمتابعة النيابية والتشريع والرقابة تشكل جزءاً من منظومة العمل الوطني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات اقتصادية وخدمية تحتاج إلى استمرارية ومراجعة.

 

أما الأمن والاستقرار، فيبقيان الأرضية التي تتحرك فوقها كل هذه المشاريع.

 

وقد حمل الاجتماع أيضاً تقديراً لجهود القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية في حماية المواطنين، إلى جانب التعزية بذوي المتوفين في حادث حافلة مكلفي خدمة العلم والتمني للمصابين بالشفاء.

 

وهذا الجانب الإنساني مهم لأنه يذكّرنا بأن العمل العام ليس أرقاماً ومشاريع فقط؛ خلف كل قرار إنسان، وخلف كل سياسة مجتمع، وخلف كل مؤسسة مسؤولية تجاه الوطن والمواطن.

 

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من ترؤس ولي العهد جانباً من جلسة مجلس الوزراء هو أن العمل الحكومي لا ينبغي أن يعيش بمعزل عن الأسئلة التي يطرحها الواقع.

 

كيف نحافظ على استقرار الأسواق؟

 

كيف نفتح أبواباً جديدة أمام الاقتصاد؟

 

كيف نرفع كفاءة الخدمات؟

 

كيف نستفيد من التكنولوجيا؟

 

كيف نعزز موقع الأردن في التجارة والنقل والسياحة؟

 

وكيف نضمن أن تصل نتائج كل ذلك إلى المواطن؟

 

هذه ليست أسئلة موسم أو مرحلة قصيرة، وإنما أسئلة دولة تحتاج إلى إجابات عملية ومتواصلة.

 

الأردن لديه ما يبني عليه، لكن المحافظة على المكتسبات تحتاج إلى عمل، والاستفادة من الفرص تحتاج إلى سرعة، ومواجهة المتغيرات تحتاج إلى استعداد.

 

ولهذا فإن صورة ولي العهد في مجلس الوزراء يمكن أن تُقرأ باعتبارها صورة للمتابعة قبل أن تكون صورة للاجتماع.

 

صورة تقول إن الملفات الوطنية لا تُترك للظروف، وإن الأولويات تحتاج إلى من يتابعها، وإن القرارات تحتاج إلى من يدفع بها نحو التنفيذ.

 

وفي النهاية، تبقى المسألة أبسط مما تبدو عليه كل العناوين الكبيرة.

 

الناس تريد دولة حاضرة في تفاصيل حياتها، ومؤسسات تعرف مسؤولياتها، وقرارات تجد طريقها إلى الواقع.

 

وحين تتحول المتابعة إلى إنجاز، والقرار إلى خدمة، والخطة إلى مشروع، يصبح حضور الدولة أكثر وضوحاً في حياة المواطن.

 

ومن هنا، فإن ترؤس سمو ولي العهد لجانب من جلسة مجلس الوزراء ليس مجرد مشهد داخل قاعة رسمية، بل لحظة تعكس أهمية أن يكون العمل الحكومي قريباً من الواقع، وأن تكون الأولويات واضحة، وأن تبقى النتيجة النهائية هي المعيار.

 

ففي نهاية المطاف، قوة القرار لا تُقاس بما يُقال حول الطاولة، وإنما بما يتركه بعد مغادرتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى