الإعلام السياسي في الأردن: شريك في صناعة القرار أم صدىً للأحداث؟

القرار الإخباري _كتب: العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي
بين من يُعامل الإعلام كمرآة باهتة تنقل الأحداث بحذافيرها وبين من يراه بوصلة سيادية تضبط اتجاهات الأمة تبقى الحقيقة الأثبت أن الإعلام السياسي في الأردن يلعب دورًا محوريا ومصيريا في بناء الثقافة السياسية للمجتمعات وتوجيه الرأي العام نحو القضايا الوطنية الكبرى، فهو تماماً كالبوصلة السيادية التي تضبط اتجاهات الأمة، يوجّه وعي المواطن نحو مسارات البناء والتحديث بخطى ثابتة
وفي المشهد الأردني يشكل الإعلام بمختلف وسائله ركيزة أساسية لتعريف المواطنين بالتحديات والفرص، وتمكينهم من التمييز بين الحقائق والمعلومات المضللة، ومواجهة الشائعات التي تستهدف أمن واستقرار البلاد ويعتبر النافذة الرئيسية التي يطل من خلالها الأردنيون على الشأن العام، ومن خلال تغطية مجريات الأحداث والتطورات الإقليمية والمحلية، يزود الأفراد بالمعرفة اللازمة حول القضايا السياسية والوطنية العميقة
ولا يقتصر هذا الدور السياسي على نقل الأخبار فحسب، بل يمتد ليشمل توضيح الحقوق والواجبات، وتسليط الضوء على النصوص الدستورية والقوانين الناظمة للحياة السياسية مثل قوانين الانتخاب والأحزاب، إلى جانب تحفيز المشاركة السياسية وتشجيع المواطنين، وخاصة الشباب والمرأة، على الانخراط في العمل الحزبي والبرلماني والمشاركة الفاعلة في الاستحقاقات الانتخابية، وتعزيز قيم المواطنة الفاعلة والانتماء للتراب الوطني ودعم مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي تبنتها الدولة الأردنية
وفي ظل التسارع التكنولوجي الهائل وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، باتت الشائعات والأخبار الكاذبة تشكل تحديا حقيقيا أمام الاستقرار المجتمعي والسياسي، وهنا يبرز الدور الواعي لوسائل الإعلام المهنية في دحض الأكاذيب بالدليل والحجة ونقل البيانات الرسمية بدقة ليكون المواطن على بينة من أموره. كما فرض الإعلام الرقمي واقعاً جديداً يتطلب مواكبة مستمرة وتطويرًا لأدوات الخطاب الإعلامي لضمان وصول المعلومة الموثوقة بالسرعة والكفاءة المطلوبة مع الحفاظ على الضوابط المهنية والأخلاقية التي تخدم المصلحة الوطنية العليا
ويساهم الإعلام السياسي في الأردن أيضًا بدور رقابي فاعِل يرصد الأداء العام موضوعياً، مستنداً إلى رؤية وطنية مسؤولة تؤكد أن الإعلام الحقيقي يجب أن يكون مرآة صادقة تترجم نبض الشارع وهموم القطاعات المختلفة (كالملفات الاقتصادية والسياسية والخدمية) بعيداً عن التهويل أو التقليل، مسلطا الضوء على الإيجابيات لتعزيزها ومؤشرًا على الخلل بحرص وطني بهدف معالجته وتصويبه، فضلاً عن تمثيله لمنصة رحبة للحوار الوطني الهادف بين مختلف مكونات المجتمع، مما يرسخ ثقافة قبول الآخر والتعددية السياسية ويسهم في بناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على مواجهة كافة التحديات ضمن مسيرة التنمية الشاملة
ومن خلال تجربتي السابقة كعين في الدورة التاسعة والعشرين، أؤكد أن الإعلام السياسي ليس مجرد مرآة ناقلة، بل هو شريك فاعل وصانع للحدث فلا يمكنه أداء دوره الحقيقي في تشكيل الوعي الوطني إلا إذا بُنيت العلاقة بين المؤسسات والإعلام على أساس المكاشفة والشفافية المطلقة، لا الاكتفاء بردود الفعل أو محاربة الشائعات بعد انتشارها. ومن هذا المنطلق، فإن التمكين الحقيقي للشباب والمرأة سياسياً لا يتحقق بالشعارات الرنانة، بل بفتح منابر إعلامية جريئة تناقش همومهم وتطلعاتهم بواقعية ومصداقية تلامس نبض الشارع الفعلي
وفي الختام، إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل لترسيخ شراكة حقيقية وفاعلة بين الدولة ومؤسساتها الإعلامية؛ فشراكة تتكئ على الصدق والشفافية هي وحدها القادرة على صناعة وعي وطني واعٍ ومستنير، ليبقى الإعلام الأردني كما عهدناه دائماً، منبرًا للحق، وصدىً أمينًا لنبض الوطن، وسياجًا منيعًا لمسيرتنا الديمقراطية المتجددة.



