نبيل أبوالياسين: جهود مصر وقطر يجب أن تنال اهتمام ترامب وعدم تجاهلها
القرار AL7ASEM

في عالم تتراقص فيه المصالح وتُنسى فيه المبادئ، باتت غزة أيقونة صمود في وجه عاصفة من التجاهل العالمي. وبينما تتجه الأنظار نحو مفاوضات قد لا تعني الكثير لشعب تحت القصف، تُترك جهود السلام الحقيقية في الظل. تثير هذه المفارقة تساؤلات حول معنى الإنسانية والعدالة، وتُلقي بظلالها على ما يُسمى بـ “السلام” الذي يتغنى به البعض. فكيف يمكن أن يكون هناك سلام في عالم يتجاهل الإبادة الجماعية والتجويع المتعمد لشعب بأكمله؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يواجهه كل من يدعي دوره في تحقيق الأمن والاستقرار العالمي.
مفارقة السلام المزعوم وتجاهل غزة
من الغريب حقًا أن نرى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يركز جهوده واهتمامه على المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، بينما يتجاهل تمامًا الأزمة الإنسانية الكارثية في غزة. فبينما يُزعم أنه “رجل سلام”، تتكشف حقيقة أخرى على أرض الواقع، حيث لا تحظى جهود الوساطة الحثيثة والمضنية التي تبذلها مصر وقطر بأي اهتمام يُذكر من جانبه. هذه الجهود التي لا تكل ولا تمل من أجل وقف إطلاق النار، تُقابل بصمت مطبق، في ظل دعم أمريكي مستمر لإبادة شعب وتجويعه. إن هذا التجاهل يُعد وصمة عار في جبين الإنسانية، ويُظهر أن السلام الذي يُنادى به هو سلام انتقائي يخدم مصالح معينة على حساب دماء وأرواح الأبرياء.
ردود الأفعال الدولية وجهود الوساطة
في خطوة نحو الأمل، أعلن المتحدث باسم الخارجية القطرية، الدكتور ماجد الأنصاري، أن قطر ومصر قد تلقتا رد حماس الإيجابي على المقترح المقدم لوقف إطلاق النار. هذه الموافقة، التي أثارت تفاؤلًا كبيرًا لدى هيئة عائلات الأسرى الإسرائيليين، تتطابق بشكل كبير مع ما وافقت عليه إسرائيل سابقًا، وفقًا للمتحدث القطري. ومع ذلك، لا يزال العالم في انتظار الرد الإسرائيلي. وتأكيدًا على هذا الجهد المشترك، أشار الأنصاري إلى مشاركة رئيس الوزراء القطري في محادثات العلمين، مما يؤكد على جدية البلدين في التوصل إلى حل. وعلى الصعيد الدبلوماسي، التقى مسؤولون قطريون بمبعوث الولايات المتحدة، ستيف ويتكوف، في إسبانيا، مما يبرز حرصهم على إشراك جميع الأطراف المعنية في مسار السلام.
المواقف الرسمية والحقيقة على الأرض
في خضم هذه التطورات، أكدت الرئاسة المصرية، في بيان مشترك مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، رفضهما القاطع لإعادة احتلال القطاع وتهجير الفلسطينيين، مع التأكيد على أن إقامة الدولة الفلسطينية هي السبيل الوحيد نحو سلام عادل ومستدام. وفي الوقت نفسه، انتقدت وزيرة خارجية أستراليا حكومة نتنياهو، مؤكدة أنها تعزل إسرائيل وتلحق الضرر بالجهود الدولية نحو حل الدولتين. من جهته، حذر رئيس وزراء الأردن من أن سياسات التوحش والتطرف الإسرائيلية لن تؤدي إلا إلى عزل إسرائيل وجعلها منبوذة دوليًا. هذه المواقف الدولية، وإن كانت إيجابية، تواجه حقيقة مؤلمة على الأرض، حيث تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في جرائمها، بما في ذلك قصف المدنيين وتجويع الأطفال، مما يجعل شعار السلام مجرد كلمات فارغة.
مفترق طرق تاريخي.. والحسم بيد نتنياهو
لقد أصبحت إسرائيل اليوم عند “مفترق طرق” تاريخي، كما وصفه رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، في ظل تصاعد القلق العالمي والمحلي. فبينما تتواصل المظاهرات الحاشدة داخل إسرائيل للمطالبة بإنهاء الحرب وتحرير الرهائن، تظل حكومة نتنياهو متمسكة بخططها العسكرية، مما يهدد بنسف كل جهود السلام. ورغم موافقة حماس على المقترح الذي يتضمن تعليق العمليات العسكرية لمدة 60 يومًا وإطلاق سراح الرهائن مقابل سجناء فلسطينيين، لم يصدر الرد الإسرائيلي بعد. إن هذا التأخير يُثير الشكوك حول نوايا الحكومة الإسرائيلية، ويضع كرة الحسم في ملعب نتنياهو، الذي يجب عليه أن يختار بين إخضاع شعبه لإرادة الحرب أو الاستجابة لنداء السلام. إن التاريخ لن يرحم من يختار طريق التدمير على حساب الفرصة الوحيدة لإنقاذ الأرواح.
الطريق إلى الأمام: كيف يمكن تعزيز جهود السلام؟”أو “دعوة للفعل: مسؤولية المجتمع الدولي
في مواجهة هذا التجاهل، لا يمكن ترك الأمر لرغبات السياسيين الانتقائية. يجب على المجتمع الدولي والأفراد تحمل مسؤولياتهم لتعزيز جهود الوساطة المصرية والقطرية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا يتطلب:
أولًا: ضغط دبلوماسي جماعي: على الحكومات الأوروبية والعربية والدول ذات النفوذ أن تتحد في جبهة واحدة للضغط المباشر على الإدارة الأمريكية وحكومة إسرائيل لقبول المقترح الذي وافقت عليه بالفعل حماس، وعدم السماح لإسرائيل بتعطيله. ثانيًا: مساءلة إسرائيل دوليًا: يجب تفعيل آليات المحاسبة الدولية، من خلال محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية، لمحاسبة قادة إسرائيل على جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، مما يزيد من تكلفة استمرار الحرب ويجعل الخيار الدبلوماسي أكثر جاذبية. ثالثًا: دعم إعلامي وشعبي: على وسائل الإعلام الحرة أن تواصل كشف فظائع الحرب على الأرض، وأن تمنح التغطية الواسعة لتفاصيل مقترح السلام الذي تدعمه مصر وقطر، لتفنيد الادعاءات الإسرائيلية بعدم وجود شريك. كما أن للحركات الشعبية حول العالم دور في استمرار المظاهرات والمقاطعات الاقتصادية التي تزيد من العزلة الدولية لإسرائيل. رابعًا: تمكين الوسيط: دعم مصر وقطر معنوياً ومادياً ودبلوماسياً لمواصلة وساطتهما، والبناء على النقاط المشتركة في المقترح الحالي، والاستعداد لضمان تنفيذ أي اتفاق يخرج إلى النور.
صرخة من غزة ونداء للعالم
في ختام هذا المقال، لا يمكننا إلا أن نتذكر صرخة الأمل التي خرجت من غزة على لسان مقاتل من القسام، والذي قال: “نحن حجة عليكم لا حجة لكم، لا سامح الله من تخاذل، ولا سامح الله من ترك غزة وحدها”. هذه الكلمات ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي نداء إلى ضمير العالم، تحث على عدم الاكتفاء ببيانات التنديد، بل بضرورة التحرك الفوري لوقف هذا الإجرام. إن تجاهل ترامب وغيره من قادة العالم لهذه الجهود ليس إلا تأكيدًا على أن المصالح السياسية تفوق عندهم كل قيمة إنسانية. يجب على العالم أن يستيقظ ويدعم جهود مصر وقطر وأن يمارس الضغط اللازم على نتنياهو لقبول الصفقة، فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الأكاذيب والمصالح، بل على العدالة والرحمة. فهل يستجيب العالم أم يترك غزة تواجه مصيرها وحيدة؟



