محليات

زيارة السفير الأميركي إلى دار نادر الذهبي: الدبلوماسية حين تدخل من باب الذاكرة الأردنية

بقلم: زياد فرحان المجالي – كاتب ومحلل سياسي
يلفت السفير الأميركي في الأردن جيم هولتسنايدر الانتباه منذ وصوله، لا فقط بصفته ممثلًا لدولة كبرى، بل بالطريقة التي اختار أن يقدّم بها نفسه للمجتمع الأردني. حضوره القريب من الناس، ومظهره البسيط، وحرصه على الظهور في مناسبات اجتماعية وشعبية، كلها عناصر صنعت صورة مختلفة عن النمط التقليدي للسفير الغربي الذي يبقى عادة خلف الجدران الدبلوماسية العالية.
في الأردن، لا تكفي اللغة السياسية الرسمية وحدها. المجتمع الأردني يقرأ التفاصيل الصغيرة: طريقة السلام، احترام البيوت، الإصغاء للكبار، الجلوس في المجالس، والاقتراب من الرموز الاجتماعية والوطنية. ومن هنا تبدو حركة السفير مدروسة، لا بمعنى المؤامرة أو الرسالة الخفية، بل بمعنى الدبلوماسية العامة الذكية التي تفهم أن بناء الثقة يبدأ من احترام المجتمع قبل مخاطبة السياسة.
لكن الزيارة إلى دار دولة نادر الذهبي، رئيس الوزراء الأسبق، تستحق التوقف عندها. فهي ليست زيارة عابرة لشخصية خرجت من المنصب، بل اقتراب من اسم ما زال حاضرًا في الذاكرة الأردنية بوصفه رجل دولة هادئًا، عمليًا، تكنوقراطيًا، وصاحب تجربة إدارية ارتبطت في وجدان كثيرين بالانضباط والاتزان وقلة الضجيج.
نادر الذهبي لا يحتاج إلى مبالغة في توصيف تجربته. فكل مرحلة سياسية واقتصادية لها ظروفها وتعقيداتها، لكن الرجل بقي في الوعي العام بصورة المسؤول الهادئ الذي لا يبحث عن الاستعراض، ولا يخلط الإدارة بالصخب، ولا يخرج من لغة الدولة إلى لغة الشعبوية. وهذه بالذات هي القيمة التي تجعل زيارته ذات معنى.
زيارة السفير الأميركي إلى داره تحمل بعدًا اتصاليًا ذكيًا. فهي أولًا تعبير عن تقدير لجيل من رجال الدولة الأردنية الذين يمثلون الخبرة المؤسسية والاستقرار السياسي. وهي ثانيًا محاولة لقراءة الأردن من خلال رموزه الهادئة، لا من خلال العناوين اليومية وحدها. وهي ثالثًا تذكير بأن الذاكرة السياسية الأردنية لا تزال جزءًا من فهم الحاضر، خصوصًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

الأردن اليوم يقع في قلب العواصف: الحرب في غزة، التوترات الإقليمية، الضغوط الاقتصادية، الملف الفلسطيني، وحسابات الأمن والاستقرار. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي للدبلوماسي أن يقرأ التقارير الرسمية فقط، بل يحتاج أيضًا إلى أن يسمع من رجال دولة عاصروا أزمات سابقة، وفهموا طبيعة المجتمع الأردني، وعرفوا كيف تُدار الدولة في لحظات الضغط.

من هنا تأتي أهمية نادر الذهبي في متن هذه الزيارة. فهو ليس عنوانًا اجتماعيًا فقط، بل رمز لنوع من رجال الدولة الذين يغادرون الموقع ولا يغادرون الذاكرة. السياسة ليست فقط من يجلس اليوم في المسؤولية، بل أيضًا من ترك أثرًا في الإدارة والانضباط، ومن بقي اسمه حاضرًا حين يتحدث الأردنيون عن الهدوء والحكمة والتوازن.

ما يحسب للسفير الأميركي أنه فهم جانبًا مهمًا من الشخصية الأردنية: الأردني لا يُكسب بالتصريحات وحدها، بل بالاحترام. والبيت الأردني ليس مكانًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مساحة رمزية لها معناها. حين يدخل السفير إلى بيوت الشخصيات الوطنية، فهو يرسل إشارة بأنه يريد أن يستمع، وأن يرى الأردن من داخله، وأن يبني علاقة تقوم على التقدير لا على الخطاب الرسمي البارد.
بهذا المعنى، تبدو زيارة دار نادر الذهبي أكبر من صورة اجتماعية، لكنها أقل من أن تُحمّل فوق طاقتها السياسية. هي زيارة ذكية في الشكل والتوقيت والرمزية، تؤكد أن الدبلوماسية الناجحة لا تبدأ دائمًا من القاعات المغلقة، بل أحيانًا من مجلس أردني يعرف قيمة الضيف، ويعرف أيضًا قيمة من يُزار.
الأردن يُقرأ من خلال مؤسساته، نعم، لكنه يُقرأ أيضًا من خلال رجاله وذاكرته ورموزه. والسفير الذي يفهم هذا الباب، يعرف أن الطريق إلى فهم الأردن لا يمر عبر السياسة وحدها، بل عبر الاحترام أولًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى