محليات

عصام عليوة يكتب: بين البطالة والاحتياج: واقع التمريض والفرص الضائعة

في وقتٍ يشهد فيه العالم نقصًا متزايدًا في الكوادر التمريضية، يواجه العديد من الممرضين في بعض الدول واقعًا مختلفًا تمامًا يتمثل في البطالة أو محدودية الفرص. هذه المفارقة تطرح تساؤلًا مهمًا: كيف يمكن لقطاع يعاني من نقص عالمي حاد أن يشهد في الوقت ذاته فائضًا محليًا غير مستغل؟
تُعد مهنة التمريض من الركائز الأساسية لأي نظام صحي، حيث تعتمد جودة الرعاية الصحية بشكل مباشر على كفاءة وتوفر الكوادر التمريضية. ومع التغيرات الديموغرافية، وارتفاع أعداد كبار السن، وزيادة الضغط على الأنظمة الصحية، أصبحت الحاجة إلى الممرضين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، خاصة في الدول المتقدمة.
في المقابل، يعاني العديد من الممرضين في بعض الدول من صعوبة في الحصول على فرص عمل مناسبة، رغم امتلاكهم المؤهلات الأساسية. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها محدودية فرص التشغيل المحلية، وضعف الربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، إضافة إلى غياب قنوات فعّالة لدمج هذه الكفاءات في الأسواق الدولية.
إن هذه الفجوة بين البطالة المحلية والطلب العالمي لا تمثل مجرد تحدٍ، بل هي في الواقع فرصة استراتيجية غير مستغلة. فالتوظيف الدولي المنظم يمكن أن يكون حلًا متوازنًا يحقق الفائدة لجميع الأطراف؛ إذ يتيح للممرضين فرصًا مهنية أفضل، ويساهم في سد النقص في الأنظمة الصحية العالمية، ويعزز من نقل الخبرات والمعرفة بين الدول.
لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من مجرد توفر الرغبة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التدريب اللغوي والمهني، والتأهيل الثقافي، إضافة إلى وجود شراكات فعالة بين مؤسسات التعليم وشركات التوظيف والجهات الصحية في الخارج. كما أن تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية يلعبان دورًا محوريًا في تسريع الاستفادة من هذه الكفاءات.
من جانب آخر، لا يمكن إغفال أهمية التوظيف الأخلاقي، الذي يضمن حماية حقوق الممرضين ويمنع أي شكل من أشكال الاستغلال، خاصة في ظل سعي بعض الجهات لتحقيق مكاسب سريعة على حساب جودة العملية أو حقوق الأفراد.
في النهاية، فإن معالجة هذه المفارقة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة تقوم على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء جسور حقيقية بين الكفاءات المتاحة والاحتياجات العالمية. فالممرضون ليسوا فقط قوة عمل، بل هم عنصر أساسي في استدامة الأنظمة الصحية وجودة الحياة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل سنستمر في الحديث عن الفجوة بين البطالة والاحتياج، أم سنبدأ فعليًا في بناء الحلول التي تحول هذه الفجوة إلى فرصة حقيقية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى