كتاب القرار الحاسممحليات

التخصصات الجامعية الأكثر طلبًا في الأردن: بين اختيارات الطلبة ومتطلبات سوق العمل

القرار AL7ASEM

 

القرار AL7ASEM _خاص

مع بداية كل عام جامعي، يتكرر السؤال ذاته على ألسنة الطلبة وذويهم: ما هو التخصص الذي يضمن مستقبلًا آمنًا؟ هذا السؤال، ورغم بساطته الظاهرة، يخفي خلفه شبكة معقدة من الاعتبارات الشخصية والاجتماعية والثقافية، التي تتقاطع مع واقع اقتصادي مضطرب وسوق عمل متقلب لا يعترف بالثبات. فبين ما يطمح إليه الطالب وما يراه المجتمع مرموقًا، وبين ما يحتاجه سوق العمل فعلًا، تتسع فجوة تُعيق القرار الصائب.

في الأردن، ما تزال التخصصات التقليدية مثل الطب والهندسة والحقوق والإعلام تتصدر اختيارات الطلبة، مدفوعة بعوامل أسرية ومجتمعية تتغذى على رمزية هذه المهن أكثر من تغذيتها على تحليل واقعي لمتطلبات التشغيل. محمد، أحد خريجي الهندسة المدنية، اختار تخصصه استنادًا إلى تفوقه في الثانوية وتأثير والده المهندس. إلا أنه وبعد التخرج واجه صعوبات كبيرة في العثور على وظيفة، واضطر لاحقًا إلى تغيير مساره نحو مجال التصميم الجرافيكي، بعد تدريب مكثف عبر الإنترنت من مصادر غير جامعية. في المقابل، آية، خريجة تمريض، التحقت مباشرة بسوق العمل بعد حصولها على تدريب عملي خلال دراستها، لتكتشف لاحقًا أن المجال الذي لم تكن مقتنعة به تمامًا، قد وفر لها استقرارًا وظيفيًا أسرع من كثير من زملائها في تخصصات أكثر “مرموقًا”.

من ناحية أخرى، فإن سوق العمل الأردني، بتأثره بالتحولات الرقمية العالمية والطلب المتزايد على مهارات المستقبل، يشهد طلبًا متناميًا على تخصصات مثل الذكاء الاصطناعي، علم البيانات، الأمن السيبراني، البرمجيات، الطاقة المتجددة، المحاسبة الرقمية، إلى جانب التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية. هذه التخصصات لم تعد فقط موضع اهتمام محلي، بل تتقاطع مع توجهات إقليمية، وخصوصًا في الخليج العربي، ما يجعلها أكثر جاذبية من الناحية التشغيلية.

لينا، خريجة علم بيانات، تؤكد هذا الاتجاه من خلال تجربتها في إحدى الشركات الناشئة التي التحقت بها بعد مشاركتها في مسابقة تقنية. تقول إن ما تعلمته فعليًا لم يكن حصرًا داخل أسوار الجامعة، بل عبر المشاريع الذاتية والهاكاثونات التي مكّنتها من اكتساب مهارات السوق الحقيقي. على النقيض تمامًا، يروي سامي، خريج الإعلام، كيف بقي بلا عمل لفترة طويلة، رغم محاولاته المتكررة للالتحاق بالمجال الذي حلم به، قبل أن يتحول إلى مجال التسويق الرقمي بعد أن طوّر نفسه بنفسه.

المشكلة لا تكمن فقط في اختيارات الطلاب، بل تمتد إلى جوهر العملية التعليمية نفسها. عدد كبير من البرامج الأكاديمية يعاني من انفصال واضح عن متطلبات سوق العمل. رعد، خريج نظم معلومات إدارية، أشار إلى أن أغلب المقررات التي درسها اعتمدت على مصادر قديمة ومنفصلة تمامًا عن الواقع المهني. وفي المقابل، تمكن شقيقه الأصغر، الذي درس البرمجة في معهد خاص، من بدء مسيرته كمستقل على الإنترنت بعد عام واحد فقط، مؤكدًا أن المهارة العملية هي مفتاح التشغيل الفعلي، لا الشهادة الجامعية وحدها.

أمام هذا الواقع، بدأ كثير من الشباب باللجوء إلى حلول فردية، مثل العمل الحر وريادة الأعمال، مدفوعين بقدرتهم على تطوير الذات من خلال منصات التعلم الإلكتروني. الإنترنت، في هذه الحالة، بات بديلاً عن مؤسسة تعليمية عاجزة أحيانًا عن تلبية متطلبات العصر. هذا التحول لا يعني التخلي عن التعليم الأكاديمي، بل يدعو إلى إعادة هيكلته ليصبح أكثر مرونة، وأكثر التصاقًا بالواقع العملي، وأقل اعتمادًا على التنظير.

إن الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن اختيار التخصص الجامعي لم يعد قرارًا فرديًا مبنيًا على الرغبة وحدها، ولا يمكن أن يُترك لتصورات المجتمع التقليدية. بل بات ضرورة أن يُبنى على وعي حقيقي، وإلمام بمتطلبات السوق، وفهم عميق للتحولات الاقتصادية والتقنية. الجامعات اليوم مطالبة بأن تعيد النظر في مناهجها، وأن تدمج الجانب العملي منذ السنوات الأولى للدراسة، كما يجب أن يُعاد الاعتبار للإرشاد المهني المبكر في المدارس، بحيث لا يكون التوجيه الأكاديمي مجرد توزيع للطلبة وفق المعدلات، بل بناء لمسارات مهنية قابلة للتنفيذ.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال دور المهارات الناعمة، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والقدرة على العمل ضمن فريق، وإدارة الوقت. فهذه المهارات باتت أحيانًا أكثر طلبًا من التخصص نفسه، لأنها تعكس استعداد الفرد للتعلم والتأقلم والعمل في بيئة متغيرة.

في النهاية، فإن النجاح المهني لم يعد رهينًا باسم الشهادة أو اسم الجامعة، بل أصبح متعلقًا بقدرة الشاب أو الشابة على تطوير الذات، وقراءة السوق، وتحويل المعرفة إلى مهارة. من يمتلك هذه القدرة، يستطيع التقدّم حتى في ظل غياب المسارات التقليدية، بينما من يكتفي بشهادة جامعية لا تواكب المتغيرات، سيجد نفسه حبيس الانتظار في طوابير البطالة.

Ryhana

"القرار الحاسم" هو موقع إخباري شامل يواكب الأحداث لحظة بلحظة، ويقدم تغطية دقيقة وموثوقة لأهم الأخبار المحلية والعربية والعالمية. يهدف الموقع إلى تمكين القارئ من اتخاذ قراره بناءً على معلومات واضحة وتحليلات موضوعية، بعيدًا عن التضليل والانحياز. ينقسم محتوى الموقع إلى عدة أقسام رئيسية تشمل السياسة، الاقتصاد، المجتمع، التكنولوجيا، الرياضة، والثقافة، مع التركيز على تقديم محتوى مهني مدعوم بالمصادر. كما يخصص الموقع مساحة للرأي والتحليل، يشارك فيها نخبة من الكتاب والمحللين لتفسير خلفيات الأحداث وتداعياتها. يؤمن "القرار الحاسم" بأن المعرفة قوة، وأن الصحافة مسؤولية، لذا يلتزم بمعايير الشفافية والمصداقية، ويمنح الأولوية لحقوق القارئ في الاطلاع على الحقيقة من مصادرها الأصيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى