أبوالياسين: صفعة أمريكية للقانون الدولي .. منع وفد فلسطين يهدد مصداقية الأمم المتحدة
القرار AL7ASEM

تتصاعد حدة الأزمة الإنسانية في غزة، وفي غمرة هذه الأحداث المأساوية، تتخذ الولايات المتحدة خطوة غير مسبوقة تثير استنكاراً عالمياً. ففي محاولة واضحة لعرقلة جهود الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ألغت الإدارة الأمريكية تأشيرات الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووفده، مانعة إياهم من حضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. هذا القرار ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو رسالة سياسية واضحة تعكس موقفًا منحازًا يتجاهل معاناة شعب بأكمله، ويضع علامات استفهام كبيرة حول دور أمريكا كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة.
لعنة دماء غزة تلاحق المسؤولين الأمريكيين
قرار الإدارة الأمريكية هذا ليس إلا جزءًا من حملة أوسع نطاقًا، بدأها الرئيس دونالد ترامب، لفرض قيود غير قانونية على المسؤولين الفلسطينيين. هذا الإجراء، الذي يهدف إلى تقويض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، يأتي في وقت حرج حيث تتجه أنظار العالم نحو المؤسسات القانونية الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية لمقاضاة المسؤولين الإسرائيليين. إن هذه الخطوة الأمريكية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي تجسيد لما يمكن وصفه بـ “لعنة دماء غزة”، التي تطارد السياسيين الأمريكيين وتلقي بظلالها على سمعتهم ومواقفهم.
تناقض أمريكي صارخ: من الحصانة إلى المنع
وفقًا للقانون الدولي، وخاصة اتفاقية المقر الموقعة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، فإن على الدولة المضيفة تسهيل دخول ممثلي الدول الأعضاء، وتمنحهم الحصانات والامتيازات اللازمة لأداء مهامهم. قرار وزير الخارجية ماركو روبيو بمنع المسؤولين الفلسطينيين يمثل خرقًا واضحًا لهذه الاتفاقيات، بحجة “عدم الامتثال لالتزاماتهم” و”تقويض آفاق السلام”. هذه الحجج لا تصمد أمام الواقع، فالتصريحات التي تدين العنف وتدعو لحل الدولتين كانت دائما جزءًا من الخطاب الفلسطيني الرسمي. إن هذا الإجراء يثير تساؤلات حول جدية أمريكا في التزامها بالقانون الدولي ودورها المحايد كدولة مضيفة للمنظمة العالمية.
العالم يرفض الانحياز ويطالب بنقل الاجتماع
في ضوء هذا القرار، تتزايد الدعوات الدولية لنقل اجتماع الجمعية العامة من نيويورك إلى مدينة جنيف السويسرية، لضمان مشاركة جميع الأعضاء دون أي قيود سياسية. هذه الدعوات ليست جديدة، فقد حدثت سابقة مماثلة في عام 1988 عندما رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، مما دفع الأمم المتحدة لنقل اجتماعها لتتمكن من سماع صوته. إن تجاهل الإدارة الأمريكية لمبدأ الحصانات الدبلوماسية يهدد مصداقية الأمم المتحدة ويجعلها رهينة لمصالح سياسية ضيقة. العالم يرى بوضوح أن العدالة تتطلب منبرًا محايدًا، وهذا المنبر لم يعد موجودًا في نيويورك.
عزلة ذاتية.. كيف يضر القرار الأمريكي بمصالح واشنطن نفسها؟
«وراء هذا القرار قصير النظر، تكمن تكلفة استراتيجية باهظة على المصلحة الأمريكية ذاتها. فالعزلة الدبلوماسية التي تفرضها واشنطن على الفلسطينيين، هي في جوهرها عزلة ذاتية تفرضها على نفسها في المحافل الدولية. كل مرة تخرق فيها الولايات المتحدة اتفاقياتها كدولة مضيفة، تقدم أدلة جديدة للعالم على عدم أهليتها لهذه المسؤولية الجسيمة. هذا ليس انتصارًا للسياسة الأمريكية، بل هو تقويض منهجي لشرعيتها ومصداقيتها على الساحة العالمية، مما يغذي الرواية التي تقدمها خصومها وتنتقد فيها انحيازها واستخدامها القوة الناعمة كفأس للهدم لا كجسر للبناء. إن تآكل الثقة بمحايدة المقر الأمريكي للأمم المتحدة لا يضعف المنظمة الدولية فحسب، بل يقلص بشكل حاد النفوذ الدبلوماسي والأخلاقي لواشنطن، لتصبح الحليف الذي يُخشى منعه أكثر من أن تكون القائد الذي يُحترم».
ختامًا: غزة تبكي.. أمريكا تغض البصر
بينما تتخذ الولايات المتحدة خطوات لمنع الصوت الفلسطيني من الوصول إلى المحافل الدولية، تواصل غزة دفع ثمن الحرب. أكثر من 63 ألف شهيد، آلاف الجرحى، ومجاعة تهدد حياة الأطفال. أعلنت منظمات الإغاثة عن مجاعة وشيكة، لكن لا يبدو أن هذه الصرخات تصل إلى آذان صناع القرار في واشنطن. بدلاً من الضغط على إسرائيل لإنهاء الحصار وتسهيل وصول المساعدات، تختار الإدارة الأمريكية الوقوف بجانب الظالم. إن هذه المواقف لا تزيد العدالة إلا ظلمًا، ولا تزيد السلام إلا حربًا. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي للوقوف صفًا واحدًا ضد هذا الانحياز السافر، ونقل اجتماع الأمم المتحدة إلى مكان يضمن سماع صوت المظلوم، قبل أن تتحول صرخات غزة إلى صدى يلاحق الضمير العالمي إلى الأبد.



