منوعات وصحة

مركز فلك عربي يطوّر برنامج “هلال” لتصوير الأهلة الصعبة

طوّر مركز الفلك الدولي برنامج “هلال” (Hilal)، وهو برنامج حاسوبي متخصص لتصوير الهلال تصويراً حيّاً ومعالجته لحظة بلحظة، وصُمّم خصيصاً لأصعب حالات رصد الهلال الرفيع القريب من الشمس، سواء في وضح النهار قبل غروب الشمس، أو في الدقائق القليلة التي تعقب الغروب وتكون فيها السماء لا تزال ساطعة.

وقال مدير مركز الفلك الدولي المهندس محمد شوكت عودة، إن صعوبة رصد الأهلة الصغيرة والقريبة من الشمس تكمن في أن ضوء الهلال ضعيف جداً مقارنةً بسطوع السماء المحيطة به، فيكاد يتلاشى فيها تماماً، ويزداد الأمر صعوبةً كلما اقترب الهلال من الشمس وقلّ عمره واستطالته، ولهذا لا تكفي أحيانا صورة واحدة مهما بلغت جودة الأدوات المستخدمة، إذ إن الفارق بين الهلال والسماء من حوله قد يكون أصغر من التشويش العشوائي في الصورة نفسها، ومن هنا جاءت فكرة البرنامج، وذلك بأن يلتقط عشرات ومئات الصور المتتابعة ويكدّسها آنياً أثناء الرصد، فيتراكم ضوء الهلال الثابت بينما يتلاشى التشويش العشوائي، وترتفع نسبة الإشارة إلى التشويش ارتفاعاً يكشف ما لا تُظهره الصورة المفردة، ويمكن كذلك تجميع عدة تكديسات في تكديس أكبر يمتد لفترة أطول حين تقتضي الحالة ذلك.

ولا يقتصر عمل البرنامج على التكديس، بل يطبّق قبله سلسلة معالجة متكاملة تبدأ بصور المعايرة لإزالة أثر البصريات والغبار وعيوب الحساس، ثم ينتقل إلى الخطوة الأهم في الرصد النهاري، وهو بناء نموذج رياضي لخلفية السماء وطرحه من الصورة، فسماء ما قبل الغروب ليست متساوية السطوع، بل فيها تدرّج قوي يشتد كلما اقتربنا من الشمس، وهذا التدرّج يساهم في إخفاء الهلال، ويوفّر البرنامج عدة نماذج لحساب هذه الخلفية.

وبعد المعالجة تأتي مرحلة الإظهار على الشاشة، وفيها يقدّم البرنامج مجموعة واسعة من الأنماط تتدرّج من العرض الخام للصورة كما التقطها الحساس تماماً إلى أنماط تجمع بين طرح خلفية السماء ومنحنيات إظهار متقدمة، ويستطيع الراصد التنقّل بين هذه الأنماط لحظياً وهو يرصد، فيرى المشهد ذاته بعيون مختلفة حتى يستقر على الأنسب لحالة السماء تلك الليلة.

أما أبرز ما يميّز البرنامج فهو منظومة الكشف الآلي عن الهلال، التي تعتمد خوارزميات ذكية تبحث في الصورة المعالَجة عن قوس بالحجم والميل والاتجاه المتوقّعة للهلال في تلك اللحظة تحديداً، اعتماداً على الموقع الحقيقي للقمر والشمس، ثم تقيس مقدار تميّز هذه الإشارة عن ضجيج السماء نفسه لتحكم على وجود الهلال من عدمه حكماً كمّياً لا انطباعياً، وبهذه الطريقة يستطيع البرنامج تحديد موضع هلال قد لا يلحظه الراصد على الشاشة للوهلة الأولى، ويضع عليه مؤشراً يوجّه العين إليه ويبيّن درجة الثقة في الكشف، وإذا رأى الراصد أن الهلال في موضع آخر، فبإمكانه النقر على الصورة ليعيد البرنامج البحث والمطابقة مروراً بالنقطة التي أشار إليها.

أما أبرز مميزات البرنامج المتقدمة هي طريقة التتبع الآلي لحركة القمر، فبينما يتابع الحامل النجومَ في حركتها، يمشي القمر بينها بحركته الخاصة، ويحسب البرنامج هذا الانزياح على الحساس من جداول المواقع الفلكية عالية الدقة المستخرجة من نظام “هورايزنز” التابع لمختبر الدفع النفاث التابع لوكالة “ناسا”، فيصحّحه أثناء التكديس ويبقي الهلال في موضعه من الصورة مهما طالت مدة الرصد، يضاف إلى ذلك ضبطٌ آليّ لزمن التعريض يلاحق تغيّر سطوع السماء السريع عند الغروب، وهو تغيّر يمتد على عدة مراتب خلال دقائق معدودة، دون أن يشغل الراصدَ عن متابعة الهلال، مع إدارة تدريجية لتبريد حساس الكاميرا تحمي الكاميرا وتقلّل ضجيجها الحراري.

وقد خضع البرنامج لاختبار عملي في رصد هلال شهر ربيع الآخر يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026م، في ظروف غير مثالية، إذ كانت السماء مغبرة وغير صافية، والهلال شديد القرب من قرص الشمس، ورغم ذلك تمكّن البرنامج من تصوير الهلال في تمام الساعة 15:50، أي في وضح النهار قبل الغروب بساعات، وكان الهلال حينها لا يبعد عن الشمس سوى 4.8 درجة فقط، وهي مسافة يكون فيها وهج الشمس شديد جدا، ويصعب معه تمييز الهلال بالوسائل التقليدية.

والبرنامج ليس مرتبطاً بمرصد بعينه ولا بمعدات بعينها، بل هو برنامج عام يمكن استخدامه مع مختلف التلسكوبات وأجهزة الرصد، ويدعم أنواعاً متعددة من الكاميرات الفلكية عالية الدقة، كما يدير أجهزة ضبط البؤرة (Focuser)، وعجلات المرشّحات (Filter wheel)، ويحفظ صور كل رصد وبياناته في مجلد مستقل يصلح للتوثيق العلمي والمراجعة اللاحقة، ويعمل كاملاً دون الحاجة إلى اتصال بالإنترنت، وهو ما يجعله صالحاً للعمل في مواقع الرصد النائية التي يقصدها الراصدون طلباً لأفق صافٍ.

والعمل على البرنامج هو ثمرة سنوات من الرصد الميداني للأهلة الصعبة، وقد بُنيت جميع معاييره وأرقامه انطلاقاً من بيانات رصدية حقيقية جُمعت في الميدان، إذ كانت كل خطوة تُقاس على سماء حقيقية قبل اعتمادها، ولا يزال العمل على تطويره وتجريبه مستمراً، وكل موسم رصد جديد يكشف ما يمكن تحسينه ويضيف إليه.

ومن شأن أداة كهذه أن تسهم في توثيق أرصاد الأهلة توثيقاً علمياً دقيقاً يمكن الرجوع إليه، وفي دعم الأبحاث المتعلقة بحدود إمكانية رؤية الهلال، وهو ميدان يشارك فيه راصدون وباحثون من مختلف أنحاء العالم، وفي تمكين المهتمين من رصد أهلة كان الوصول إليها حتى وقت قريب أمراً بالغ الصعوبة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى