القرار الإخباري _بقلم: الدكتور خالد المناجعه
في زمنٍ تتسابق فيه نشرات الأخبار لنقل صور الدمار والحروب، وتتصدر فيه الأزمات الاقتصادية عناوين العالم، تبرز قصص النجاح الحقيقية كرسائل أمل تؤكد أن إرادة البناء أقوى من أصوات المدافع. فمنذ سنوات، يعيش العالم حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي نتيجة النزاعات المسلحة والحروب وكان الشرق الأوسط الأكثر تأثراً بهذه المتغيرات، الأمر الذي فرض ضغوطاً هائلة على الاقتصادات الوطنية، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.
ولم يكن الأردن بمنأى عن هذه التحديات، فهو يقع في قلب إقليم ملتهب، ويتأثر بصورة مباشرة بما يدور حوله من أحداث، وآخرها التوترات الإقليمية والحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما سبقها من صراعات أثرت على حركة التجارة وسلاسل التوريد والاستثمار والسياحة والصناعة. ومع ذلك، أثبت الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، أنه دولة تمتلك مناعة سياسية واقتصادية ومؤسساتية جعلته قادراً على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر.
لقد أثبتت المملكة الأردنية الهاشمية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أن استقرار الدولة لا يقاس بحجم الموارد الطبيعية، وإنما بحكمة القيادة، وقوة المؤسسات، والتفاف الشعب حول وطنه فالأردن رغم محدودية موارده، بقي واحة أمن واستقرار، وبيئة جاذبة للاستثمار، وشريكاً موثوقاً على المستويين الإقليمي والدولي.
ومن بين الأخبار التي تستحق أن تتصدر العناوين، بعيداً عن ضجيج الحروب، الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية بين شركة مناجم الفوسفات الأردنية وشركة البوتاس العربية، وهما أكبر شركتين تعدينيتين في المملكة، لإنشاء مجمع صناعي متكامل في العقبة والشيدية وتأسيس الشركة الأردنية المتقدمة للصناعات السمادية المتخصصة، في خطوة تمثل تحولاً نوعياً في مسار الصناعات التعدينية والتحويلية الأردنية. ويهدف المشروع إلى إنتاج أسمدة متخصصة ذات قيمة مضافة عالية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، بما يعزز القيمة الاقتصادية للثروات الوطنية ويرفع تنافسية الصادرات الأردنية في الأسواق العالمية.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية استثنائية لأنها تجسد مفهوم التكامل الصناعي بين قطاعي الفوسفات والبوتاس، وتؤسس لسلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من استخراج المواد الخام، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى التصدير، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، ويعزز مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة، ويوفر فرص عمل نوعية للأردنيين، ويرفع القدرة التنافسية للصناعة الوطنية في الأسواق الدولية.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشارة إلى الدور القيادي الذي يقوم به معالي الدكتور محمد الذنيبات، رئيس مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات الأردنية، الذي يقود رؤية استراتيجية تقوم على تعظيم القيمة المضافة للثروات الوطنية، والانتقال بالشركة من مرحلة تصدير المواد الخام إلى مرحلة الصناعات المتقدمة ذات العائد الاقتصادي المرتفع، وهو نهج انعكس بصورة واضحة على الأداء المالي والتشغيلي للشركة، وعلى توسعها في المشاريع الاستراتيجية.
كما يستحق المهندس عبد الوهاب الرواد، الرئيس التنفيذي لشركة مناجم الفوسفات الأردنية، الإشادة بما يقوده من جهود تنفيذية لترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع على أرض الواقع، حيث أكد أن هذه الشراكة تمثل محطة مفصلية في مسيرة التكامل الصناعي بين أكبر شركتين تعدينيتين في المملكة، وستعزز القدرات التصديرية، وترفع مرونة الإنتاج، وتخلق قيمة اقتصادية مستدامة، وتدعم اندماج الأردن في سلاسل القيمة العالمية للصناعات التعدينية والكيماوية المتخصصة
إن الرسالة التي يبعثها هذا المشروع إلى المستثمرين في الداخل والخارج واضحة؛ فالأردن، رغم الظروف الإقليمية الصعبة، ما زال يمتلك بيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات متطورة، ومؤسسات وطنية قوية، وبنية تحتية قادرة على استيعاب المشاريع الكبرى، فضلاً عن قيادة سياسية تؤمن بأن الاقتصاد هو خط الدفاع الأول عن الدولة.
وعندما تجتمع مؤسسات القطاع الخاص الوطنية على مشروع استراتيجي بهذا الحجم، فإنها لا تستثمر في صناعة أو شركة فحسب، بل تستثمر في مستقبل الأردن، وفي شبابه، وفي اقتصاده، وفي مكانته الإقليمية والدولية. وهذا هو المعنى الحقيقي للشراكة الوطنية، حين يكون الهدف هو خدمة الوطن وتعظيم موارده وتحويل التحديات إلى فرص.
في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالحروب، ينشغل الأردن ببناء المصانع، وتطوير الصناعات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز صادراته، وصناعة المستقبل. وهنا يكمن الفرق بين من يستهلك الأزمات، ومن يصنع من رحمها فرصاً جديدة للنمو والازدهار.
إنها رسالة أردنية بامتياز: عندما يجتمع القطاع الخاص على حب الوطن، يصبح الاستثمار شكلاً من أشكال الانتماء وتصبح التنمية عنواناً للصمود، ويصبح الأردن أكبر من كل التحديات.
Emil: Khaledalhwaty@yahoo.com
