
القرار الإخباري _بقلم: العين السابق عبد الحكيم محمود الهندي
في خضم الصخب اليومي، والركض المستمر خلف امتلاك التفاصيل الصغيرة وكسب المزيد، نادراً ما نتوقف لنسأل أنفسنا بصدق: هل نحن نملك فعلاً ما نتحوز عليه، أم أننا لسنا سوى عابرين نستمتع بـ “حق انتفاع” مؤقت؟ هذا السؤال العميق يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لطريقتنا في إدارة الحياة، والعلاقات، وحتى الخلافات التي تُهدر فيها أثمن سنوات العمر
يمر الإنسان بمراحل عمرية قد يظن فيها واهماً أنه “يملك” ما تحت يديه سيارة تقوده، شقة يسكنها، رصيد مالي، أو مقتنيات يفاخر بها غير أن الحقيقة التي تتكشف ببطء هي أننا لسنا سوى مستأجرين لعمر محدود في هذه الدنيا وهنا يتجلى المعنى في تسلسل بليغ يقوم على أركان التشبيه؛ حيث تشبه حياة الإنسان على هذه الأرض تماماً رحلة المسافر الذي يحجز مقعداً في قطار أو طائرة فهو يدفع ثمن التذكرة ويجلس مستمتعاً بالرحلة، ويُهيأ له طوال الطريق أنه “صاحب المقعد” وهو ليس كذلك، ليُختتم المشهد بنزوله في محطته المحددة ليأتي غيره ويجلس مكانه ومثل ذلك كمثل العقارات والشقق؛ إذ تُرسم أسماء الملاك على صكوك الملكية لعشر سنوات أو مئة، ثم تنتقل حتماً لمن بعده ومن بعده، ويبقى الإنسان طوال وجوده على الأرض لا يعدو كونه منتفعاً بوقت قصير ومحدد
لو أدرك الجميع هذه الحقيقة البسيطة لتغير وجه العالم؛ فلا صراعات الميراث العبثية ستستمر، ولا خصومات المال ستفسد الود، ولا شراسة الطمع ستتحكم بالنفوس كل تلك الخلافات التي تُحرق فيها الأعمار وتُقطع بسببها أواصر الأرحام، تقوم على أساس وهمي لشيء “زائل” لا محالة إن من يفهم قواعد اللعبة الحقيقية للوجود، يدرك تماماً أنه لا قيمة لأي عداوة على أشياء “رايحة ومش راجعة”
السعادة الحقيقية تبدأ حين يتخلى الإنسان عن عبء “الامتلاك” المرهق، ليتبنى فكرة “الأمانة” ما أعظم حظ من فهم حقيقة الدنيا، فأحسن استخدام ما أعطاه الله له من نعم دون طمع أو إجحاف، وعاش قرير العين، صافي القلب، مبيتاً نيته على السلام الداخلي. حين تعلم يقيناً أننا “كلنا مسافرون”، ستسقط من حساباتك كل التفاصيل السخيفة، ولن تلتفت لتكتئب لمن كتب اسمه على العقار أو من تصدر المشهد مؤقتاً، ولن تجادل أو تتشاجر، لأنك ببساطة تعرف أن النهاية واحدة، والرحلة أسرع من أن تُقضى في الخصام
فيا ليتنا ندرك باكراً، أن الراحة الحقيقية تكمن في أن نعيش الدنيا بقلب المسافر.. المستمتع بالجمال، المؤدي للأمانة، المطمئن بأن ما عند الله هو الأبقى والأجمل.




