رحيل “أبو يحيى” ساعاتي عمّان العريق: نهاية زمنٍ كانت عقاربه تنبض بالصدق والمهارة
القرار AL7ASEM

القرار AL7ASEM _ محرر شؤون محلية
شارع فيصل يودّع واحدًا من أعمدته الإنسانية والمهنية…
فُجع قلب عمّان، وتحديدًا شارع فيصل العتيق في وسط البلد، بخبر وفاة الساعاتي العريق محمد يحيى فارس منصور، المعروف بين أهل المدينة بـ”أبو يحيى”، الذي غيّبه الموت أول أمس عن عمر ناهز السبعين، بعد عقود طويلة من الدقة، والوفاء، والصبر الجميل خلف عدسة مكبرة وعقارب لا تهدأ.
في متجر عمران باشا الذهبي للساعات، أحد معالم عمان القديمة، جلس “أبو يحيى” لسنوات كأنّه جزء من جدران المكان ونبضه، يرمّم الزمن بنبض يديه، ويبعث الحياة في ساعات توقفت منذ عقود. لم يكن فنّياً عادياً، بل كان حارساً لأسرار الزمن، وصاحب عين لا تخطئ عطبًا ولا تهدر لحظة.
عُرف عن الراحل دقته المتناهية، لا فقط في إصلاح الساعات، بل في مواعيده وكلمته وتعاملاته. وكان اسمه يُتداول بين الزبائن كما تتداول العائلات إرثها: بثقة واعتزاز. جاءت إليه ساعات الأجداد، تحمل في داخلها حكايات، وخرجت من تحت يديه وكأنها عادت لتروي من جديد.
“أبو يحيى” لم يكن مجرد فنيّ ساعات؛ كان **ذاكرة حيّة** لشارع فيصل، وركناً من أركان البساطة والشرف والمهارة اليدوية النادرة. لم يكن الزبائن يتعاملون معه، بل كانوا يأتون إليه باحترام المحترف وطمأنينة من يعرف معدن الرجال.
برحيله، لا تفقد عمّان ساعاتيًّا فحسب، بل تخسر شاهدًا على زمن كان فيه العمل شرفًا، والحرفة رسالة، والكلمة عقدًا لا يُنقض.
وداعًا أبا يحيى…
لقد أعدتَ عقارب الزمن إلى مكانها دائمًا، إلا عقرب الحياة… فقد توقف عندك، وتركنا على توقيت الفقد.



