خطاب الملك.. صوت الأردن الذي حمل الحقيقة إلى العالم

القرار الإخباري _النائب عبدالرحمن العوايشة
حمل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الحادية والثمانين، صوت الأردن إلى العالم، واضعا أمام المجتمع الدولي أسئلة لا يمكن تجاوزها، وحقائق لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام الأزمات المتلاحقة.
كان جوهر الخطاب أبعد من توصيف أزمات المنطقة؛ فقد وضع جلالة الملك مفهوما لافتا أمام العالم: الانتباه أصبح موردا جيوسياسيا. فما يمنحه العالم اهتمامه يحظى بالدبلوماسية والضغط والتحرك، وما يُهمل قد يتحول مع الوقت من أزمة مؤقتة إلى واقع دائم. وهذه الفكرة تختصر جانب أساسي من المشهد الدولي اليوم؛ فالكثير من المآسي لا تنتهي لأنها حُلّت، وإنما لأنها خرجت من دائرة الاهتمام.
ومن هنا جاء الحديث عن المنطقة، من لبنان إلى اليمن والسودان، وعن الأزمات التي لم تعد آثارها محصورة داخل حدودها. فالحروب لا تتوقف عند الجغرافيا؛ إذ تمتد تداعياتها إلى أسعار الطاقة والغذاء، وحركة التجارة والاستثمار، وأمن الدول وحياة الشعوب. وقد أشار جلالة الملك إلى أن حرب إيران أظهرت مدى سرعة انتقال آثار عدم الاستقرار إلى ما وراء الإقليم.
لكن فلسطين بقيت في قلب الخطاب، باعتبارها الاختبار الأوضح لجدية النظام الدولي في حماية القانون والحقوق. فغزة ليست مجرد مشهد إنساني عابر، وما يجري في الضفة الغربية ليس تطورًا منفصلًا يمكن التعامل معه باعتباره ملفًا ثانويًا. إن استمرار الانتهاكات وفرض الوقائع على الأرض يهدد بتحويل المؤقت إلى دائم، ويضع مستقبل الدولة الفلسطينية وحل الدولتين أمام تحديات متزايدة.
وفي هذا السياق، استعاد الخطاب مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي طرحت السلام والتطبيع مقابل إقامة الدولة الفلسطينية، ليؤكد أن الحديث عن غياب الخيارات أو غياب المبادرات لا يفسر استمرار الصراع. فالمبادرات كانت موجودة، والمطروح كان واضحًا، لكن المعضلة تكمن في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل المبادئ والقرارات إلى واقع.
أما القانون الدولي، فقد حضر في الخطاب بوصفه معيارًا لا ينبغي أن يخضع للانتقائية. فالعالم يمتلك أدوات للتعامل مع الانتهاكات، من العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، وقد استخدمها في أزمات مختلفة. ويبقى السؤال الذي طرحه الخطاب في جوهره: ما قيمة القواعد إذا بقي تنفيذها حبرًا على ورق؟
ومن فلسطين امتد التحذير إلى سوريا، حيث تحدث جلالة الملك عن التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يرتبط بمصادر مائية حيوية. وبالنسبة للأردن، جاءت الرسالة واضحة: أمن الحدود الشمالية والأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، والدبلوماسية الأردنية لا تعني التنازل عن المصالح الوطنية أو السماح بتجاوز الخطوط التي تمس أمن الدولة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الأردن تحديات الإقليم، عرض الخطاب ملامح الدور الأردني في التعامل مع الأزمات وبناء المستقبل في آن واحد؛ من تعزيز الروابط التجارية والصناعية والتكنولوجية بين الخليج والبحر المتوسط، إلى مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وحماية المسيحية وموروثها التاريخي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية.
وفي القدس، أكد الخطاب استمرار الالتزام بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، إلى جانب مواصلة دعم صمود الفلسطينيين ودعم وكالة الأونروا.
واللافت في الرسالة الأردنية أن السلام لم يُطرح باعتباره شعارًا منفصلًا عن الأمن، بل باعتباره مسارًا يحتاج إلى قوة القانون وشرعية المؤسسات والثقة بين الدول. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تطعم الجائع، أو تعيد المهجر إلى وطنه، أو تبني سلامًا مستدامًا، ولا تستطيع أن تعالج تحديات المناخ والهجرة والتحول التكنولوجي.
ما تحتاجه البشرية، وفق جوهر الرسالة، هو نظام دولي تُحترم فيه الاتفاقيات، وتُطبق فيه القواعد، وتستعيد فيه المؤسسات ثقة الشعوب والدول. فعندما تنهار الثقة يصبح كل نزاع أكثر تعقيدًا، وعندما تُصان يصبح التعاون ممكنًا، ويصبح السلام أكثر من مجرد هدنة مؤقتة.
ومن هنا، حمل خطاب الملك عبدالله الثاني رسالة الأردن إلى العالم بوضوح: الأردن متمسك بالدبلوماسية، لكنه لا يساوم على أمنه؛ يؤمن بالسلام، لكنه لا يقبل أن يكون السلام غطاءً للظلم؛ يحترم القانون الدولي، لكنه ينتظر أن يكون القانون واحدًا للجميع؛ ويمد يده للتعاون، دون أن يتخلى عن ثوابته ومصالحه الوطنية.
لقد كان صوت الأردن في الأمم المتحدة صوت دولة تدرك أن الأزمات لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي تتركه، وإنما أيضًا بحجم الصمت الذي يسمح باستمرارها. وفي عالم يتنافس على انتباه الإنسان والدول، تبقى الحقيقة بحاجة إلى من يحملها، والعدالة بحاجة إلى من يذكّر بها، والسلام بحاجة إلى إرادة تتجاوز إدارة الأزمات نحو معالجة جذورها.
وفي النهاية، تعود الفكرة التي انطلق منها الخطاب لتصبح رسالته الأوسع: المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، بل أيضًا بما نختار أن نتجاهله. وبين الفعل والتجاهل، يبقى صوت الأردن حاضرًا من عمّان إلى العالم، حاملًا الحقيقة، ومتمسكًا بأن السلام العادل لا يُبنى بالصمت، بل بالحق والقانون والإرادة.



