الزرقاء – ليست كل القرارات تُقاس بالأوراق والتواقيع، فبعضها يغيّر حياة إنسان كاملة. وقصة المواطن محمد جواد محمد الحويطي الذي رواها لموقع القرار الاخباري، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويستخدم الكرسي المتحرك، خير دليل على أن المسؤول الحقيقي هو من يرى الإنسان قبل أي شيء آخر.
يقول محمد إن الوزير الأسبق للتنمية الاجتماعية أيمن المفلح كان، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، السبب في تحوله من إنسان ينتظر المساعدة إلى إنسان يعمل وينتج منذ أكثر من خمس سنوات.
بدأت الحكاية بعد انتقال محمد من العقبة، حيث أمضى 25 عامًا من حياته، إلى الزرقاء عام 2020. كانت بداية جديدة، لكنها لم تكن سهلة. لم يكن المنزل مناسبًا بسبب وجود الدرج، وفرص العمل كانت تبدو بعيدة، إلا أن الأمل لم يغادر قلبه.
حاول البحث عن فرصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فنشر على “فيسبوك” دون نتيجة. عندها نصحه أحد أصدقائه بأن ينشر قصته على منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، حيث يتابعها مسؤولون ووزراء.
كتب محمد كلمات خرجت من القلب:
“لا تعطِني سمكة، ولكن علّمني كيف أصطاد. ولأنني من ذوي الإعاقة الحركية، فقد أوصدت جميع أبواب العمل في وجهي.”
ثم أغلق هاتفه ونام، غير متوقع أن تلك الكلمات ستغيّر حياته.
بعد نحو ساعة فقط، استيقظ على تعليق من الوزير أيمن المفلح يقول فيه:
“أرسل رقمك على الخاص لو سمحت.”
يصف محمد تلك اللحظة بأنها كانت من أسعد لحظات حياته. وبعد يومين تلقى اتصالًا من رقم أرضي.
يقول:
“أجبت وأنا غير مصدق. قلت: معاليك؟ فقال بكل تواضع: نعم، معك أيمن المفلح. لم يقل أنا الوزير، ولم يسبق اسمه بأي لقب.”
ويضيف أن الوزير قال له عبارة ما زالت عالقة في ذاكرته:
“محمد… كلنا أولاد تسعة، اؤمرني.”
عندما أخبره محمد أن كل ما يريده هو فرصة عمل، سأله الوزير عن ظروف منزله، ثم قال له إنه سيتابع الموضوع بنفسه، وسيقوم مدير مكتبه بالتواصل معه.
لم تكن تلك مجرد كلمات للمواساة.
بعد دقائق فقط، اتصل مدير مكتب الوزير، وطلب بعض الأوراق، وأكد له أن الوزير مهتم بقضيته. وبعد يومين جاء الاتصال المنتظر، وطُلب منه مراجعة إحدى الشركات في الزرقاء لإجراء مقابلة العمل.
وفي 21 شباط 2021، كان أول يوم عمل لمحمد.
يقول بابتسامة امتزجت بالفخر:
“في ذلك اليوم تحولت من إنسان مستهلك إلى إنسان منتج.”
لكن القصة لم تنته عند الوظيفة.
بعد نحو عامين، تعرض محمد لوعكة صحية شديدة، وبقي في المستشفيات 35 يومًا متنقلًا بين أكثر من مستشفى، وكانت حالته تتطلب العزل، ما أثر كثيرًا في نفسيته.
وصل الخبر إلى الوزير الاسبق أيمن المفلح، فتواصل مدير مكتبه مع عائلة محمد للاطمئنان على حالته، وسأل إن كانت حالته معدية أم لا.
وفي اليوم التالي، حدث ما لم يكن محمد يتوقعه.
بينما كان يتناول طعام الغداء داخل غرفته في المستشفى، دخل الوزير الأسبق بنفسه للاطمئنان عليه.
رفض أن يقطع محمد طعامه، وجلس يسأله عن صحته، ثم سأله سؤالًا بسيطًا حمل في داخله الكثير من الإنسانية:
“شو مزعلك؟”
أخبره محمد عن بعض المشكلات التي يواجهها مع التمريض داخل القسم.
غادر الوزير الغرفة بهدوء، لكن المفاجأة كانت بعد دقائق.
يروي محمد أن شقيقه لاحظ أن الوزير لم يغادر المستشفى مباشرة، بل اتجه إلى مبنى الإدارة. وبعد وقت قصير حضر مدير المستشفى وعدد من رؤساء الأقسام إلى غرفة محمد، واستمعوا إلى جميع ملاحظاته، وعملوا على حلها، مع التأكيد على تلبية احتياجاته.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات على بداية تلك القصة، لا يبحث محمد عن منصب ولا عن مصلحة شخصية، بل عن فرصة لرد الجميل لرجل يرى أنه صنع فرقًا حقيقيًا في حياته.
ويقول:
“قد يتساءل البعض: ماذا يستطيع مواطن بسيط أن يقدم لوزير سابق؟ جوابي أن أقل ما يمكن أن أقدمه هو أن أروي الحقيقة، وأن أشهد أمام الناس أن قرارًا واحدًا، وكلمة صادقة، ومتابعة مخلصة، كانت سببًا بعد الله في أن أستعيد كرامتي، وأصبح إنسانًا منتجًا، وأعيش بقيمة العمل لا بقيمة الانتظار.”
إنها ليست قصة وظيفة فقط، بل قصة مسؤول آمن بأن خدمة الناس ليست شعارًا، وأن القرار الحاسم في الوقت المناسب قد يغيّر حياة إنسان بالكامل.
وربما لهذا تبقى بعض المناصب في الذاكرة، لا بسبب الكرسي الذي شغله أصحابها، بل بسبب الأثر الذي تركوه في قلوب الناس.
قصة وفاء لوزير آمن بالإنسان قبل المنصب
