انطلقت في عمّان، اليوم الثلاثاء، برعاية رئيس مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات الأردنية، الدكتور محمد الذنيبات، أعمال المؤتمر الفني الدولي الثامن والثلاثين للاتحاد العربي للأسمدة والمعرض المصاحب، الذي تستضيفه الشركة تحت شعار «ما بعد الإنتاج: قمة التحول في صناعة الأسمدة».
ويشارك في المؤتمر، الذي تستمر أعماله ثلاثة أيام، خبراء ومتخصصون من 30 دولة عربية وأجنبية، إلى جانب أكثر من 30 شركة عارضة تمثل مؤسسات وشركات عالمية متخصصة في تكنولوجيا صناعة الأسمدة ومستلزماتها وحلولها الصناعية المتقدمة.
الذنيبات: نمتلك مقومات الريادة.. والتكنولوجيا تحوّل الموارد إلى إنجاز
وقال الذنيبات، في كلمة الافتتاح، إن صناعة الأسمدة في عدد من الدول العربية تمتد جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وشهدت توسعًا وتطورًا متسارعين خلال العقود اللاحقة، ما أسهم في بناء صناعات كبرى وتأسيس شركات رائدة وتعزيز الحضور العربي في الأسواق الدولية، حتى أصبحت المنطقة من أبرز مراكز إنتاج الأسمدة وتصديرها عالميًا.
وأضاف أن العالم العربي يمتلك حصة استثنائية من الاحتياطيات العالمية للفوسفات، إلى جانب موارد كبيرة من البوتاس والغاز الطبيعي والكبريت وغيرها من الخامات الأساسية، مؤكدًا أن هذه الموارد تمنح الدول العربية مقومات استراتيجية للإسهام في استقرار أسواق الأسمدة، وتعزيز الإنتاج الزراعي، ودعم الأمن الغذائي العالمي.
وشدد على أن امتلاك الموارد والمصانع والوصول إلى الأسواق يشكل قوةً وإنجازًا، لكن امتلاك التكنولوجيا هو ما يحوّل هذه القوة إلى ريادة، والإنجاز إلى استقلال صناعي، والنجاح إلى قدرة مستدامة على المنافسة.
وأشار إلى أن العالم العربي، رغم تاريخه الصناعي الطويل وما راكمه من خبرات ومؤتمرات، لم يحقق بعد المستوى المنشود من التكامل في البحث والتطوير، ولم يبنِ قاعدة تكنولوجية عربية مشتركة قادرة على تطوير العمليات الصناعية ومنح تراخيصها، خصوصًا في المنتجات المتخصصة ذات القيمة المضافة العالية.
ولفت إلى تقنيات إنتاج حمض الفوسفوريك عالي النقاوة وغيرها من المشتقات التي تتطلب معرفة تقنية متقدمة، مؤكدًا أن استيراد المعرفة في مرحلة من مراحل التطور لا ينبغي أن يتحول إلى اعتماد دائم على الغير، وأن المطلوب هو المشاركة في إنتاج التكنولوجيا وامتلاك القدرة على تطويرها وتصديرها.
“الذنيبات: مستعدون لدعم مركز عربي لأبحاث الأسمدة”
ودعا الذنيبات رؤساء مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيين وقادة المؤسسات الصناعية العربية إلى العمل معًا لتأسيس مركز عربي مشترك لأبحاث وتكنولوجيا صناعة الأسمدة، يقوم على تمويل مؤسسي مستدام وشراكة بين الشركات والجامعات ومراكز البحث، ويعمل وفق أولويات تستجيب لاحتياجات الصناعة وتحدياتها.
وأكد استعداد شركة مناجم الفوسفات الأردنية لتبنّي دعم إقامة المركز وإنشائه، خدمةً للبحث العلمي والعمل الاقتصادي العربي المشترك في مجال صناعة الأسمدة الفوسفاتية.
وأوضح أن المركز المنشود يجب أن يطوّر التكنولوجيا ويحوّل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات صناعية، ويؤهل الباحثين والمهندسين العرب، ويدعم الابتكار، ويسعى إلى تطوير تقنيات وعمليات قابلة للتسجيل والترخيص والاستثمار التجاري؛ بحيث تنتقل من الدراسات والمختبرات إلى خطوط الإنتاج والأسواق العالمية.
وأضاف أن من بين الأهداف التي ينبغي العمل عليها خلال السنوات المقبلة تطوير حزمة متكاملة من تكنولوجيا العمليات الصناعية عربيًا في أحد المجالات المتخصصة لصناعة الأسمدة، تحمل بصمة الباحث والمهندس العربي، وتكون قابلة للتطبيق والترخيص دوليًا.
ودعا إلى أن يكون من مخرجات المؤتمر العملية إعداد دراسة لتأسيس المركز، وتشكيل فريق من ممثلي الشركات والمؤسسات المعنية لوضع تصور أولي لأهدافه ونموذجه التمويلي وبرامجه البحثية وآليات التعاون بين أعضائه.
“الذنيبات: البحث العلمي استثمار في القدرة على المنافسة”
وأكد الذنيبات أن النهضة الصناعية لا تقوم من دون قاعدة علمية راسخة، وأن الاستقلال التكنولوجي والقيمة المضافة المستدامة يتطلبان استثمارًا طويل الأمد في المعرفة والابتكار.
وقال إن من أبرز التحديات التي تواجه البحث العلمي عربيًا محدودية مساهمة القطاع الصناعي الخاص في تمويله وتوجيهه نحو التطبيقات العملية، إلى جانب الحاجة إلى استراتيجيات أوضح تربط الجامعات ومراكز البحث بالمصانع والأسواق والاحتياجات المستقبلية.
وأضاف أن على الدول العربية تغيير نظرتها إلى البحث العلمي، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في القدرة على المنافسة والأمن الاقتصادي ومستقبل الأجيال، مشيرًا إلى أن الأمة التي لا تستثمر في عقول أبنائها ستضطر إلى الاستثمار في عقول الآخرين وشراء ما ينتجونه من معرفة وتكنولوجيا.
وقال إن الاعتزاز بالإرث العلمي العربي ينبغي أن يقترن بإنجازات جديدة، فالوفاء للعلماء الذين أسهموا في بناء علوم غيّرت وجه العالم يكون بإضافة إنجازات علمية وصناعية جديدة إلى رصيد الإنسانية، لا بالاكتفاء باستذكار أمجاد الماضي.
“الذنيبات يطرح ثلاثة مسارات بحثية: الذكاء الاصطناعي والنانو والموارد البحرية”
وطرح الذنيبات أمام العلماء والخبراء وقادة الصناعة المشاركين في المؤتمر ثلاثة أسئلة، داعيًا إلى تحويلها إلى برامج بحثية مشتركة:
* كيف يمكن توظيف الموارد البحرية والطحالب والكتلة الحيوية في المناطق الساحلية العربية لتطوير أسمدة عضوية وحيوية مستدامة؟
* كيف يمكن استثمار الذكاء الاصطناعي في تطوير تكنولوجيا صناعة الأسمدة وتحسين كفاءة عملياتها وتسريع اكتشاف حلول إنتاجية جديدة؟
* إلى أي مدى تستطيع تقنيات النانو أن تفتح المجال أمام جيل جديد من الأسمدة المتخصصة والذكية، بما يحسن كفاءة استخدام المغذيات ويحمي الموارد الطبيعية؟
وأكد أن هذه الأسئلة لا تُطرح بحثًا عن إجابات نظرية، بل بهدف تحويلها إلى مشروعات في المختبرات، ومنتجات في المصانع، وقيمة اقتصادية مضافة للدول العربية.
وأشار إلى أن تقنيات النانو تتيح فرصًا لتطوير أسمدة أكثر كفاءة ودقة في إيصال المغذيات إلى النباتات، بما يسهم في تحسين الإنتاجية الزراعية والحد من الفاقد والأثر البيئي، فيما تفتح التكنولوجيا الحيوية والموارد البحرية والكتلة الحيوية آفاقًا للبحث في مدخلات زراعية وأسمدة عضوية وحيوية جديدة.
كما دعا إلى تعزيز الاستثمار في تقنيات الاستخلاص والفصل والمعالجة المتقدمة، ودراسة الجدوى الاقتصادية والبيئية لاستخراج العناصر النادرة والمعادن المصاحبة للخامات، بما يتيح بناء اقتصاد صناعي متنوع تتكامل فيه سلاسل القيمة وتتعدد منتجاته.
وأكد أن التعاون العربي ينبغي أن يتجاوز تبادل الخبرات والزيارات والمؤتمرات إلى شراكات إنتاجية وبحثية واستثمارية حقيقية، تتكامل فيها الموارد والتكنولوجيا والخبرات بين الدول والشركات العربية.
وقال إن صناعة الأسمدة شريك رئيس في إنتاج الغذاء وداعم لاستدامة الزراعة وركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مضيفًا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاعتزاز بما تملكه الدول العربية إلى الاعتزاز بما تصنعه، ومن استيراد الحلول إلى المشاركة في ابتكارها.
“الرواد: التحولات العالمية تعيد تشكيل مستقبل الصناعة”
من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للأسمدة، المهندس عبدالوهاب الرواد، إن شعار المؤتمر يلخص رؤية لمستقبل صناعة تواجه تحولات عميقة وتحديات غير مسبوقة وفرصًا واسعة.
وأوضح أن التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات المناخية والتشريعات البيئية وآليات تسعير الكربون، أصبحت عوامل رئيسة تعيد تشكيل مستقبل الصناعة وتحدد مواقع الدول والشركات في المنافسة العالمية.
وأضاف أن الصناعات الكبرى لا تفقد مكانتها لمجرد تغير الأسواق، بل حين تتأخر عن مواكبة التغيير، مؤكدًا أن النجاح الصناعي ينبغي ألا يُقاس بكميات الإنتاج والتصدير وحدها، بل بما تضيفه المنتجات من معرفة وابتكار، وبأثرها في الاقتصاد والبيئة وحياة الإنسان.
وأشار إلى أن صناعة الأسمدة ترتبط بخصوبة التربة ووفرة المحاصيل واستقرار المجتمعات والأمن الغذائي، وأن مسؤوليتها تتجاوز المصانع والموانئ والأسواق إلى دور اقتصادي وتنموي وإنساني.
وبيّن الرواد أن الدول العربية تمتلك موارد استراتيجية من الفوسفات والبوتاس والكبريت والغاز الطبيعي، إلى جانب مؤسسات صناعية رائدة وخبرات بشرية ومواقع جغرافية وشراكات تجارية ممتدة. غير أن امتلاك الموارد وحده لا يصنع الريادة، ما لم يقترن بتعظيم قيمتها المضافة وتطوير التكنولوجيا وصناعة المعرفة وابتكار الحلول.
وقال إن الرؤية المستقبلية للاتحاد تستند إلى خمسة مسارات استراتيجية: صناعة أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي والابتكار وتعظيم القيمة المضافة، وترسيخ ثقافة السلامة، وتعزيز الاستدامة والمسؤولية المجتمعية.
وأكد أهمية توسيع الشراكات العربية وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، والتنسيق في التعامل مع التشريعات التجارية والبيئية الدولية، مشددًا على أن التكامل العربي أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية ينبغي ترجمتها إلى مشروعات واستثمارات ونتائج ملموسة.
وأعرب الرواد عن تقدير الاتحاد للمملكة الأردنية الهاشمية لاستضافتها المؤتمر، مشيدًا بدور شركة مناجم الفوسفات الأردنية وشراكتها في تنظيمه.
أبو المعاطي: الفوسفات الأردنية تنتج 20% من الفوسفات العربي
بدوره، قال الأمين العام للاتحاد العربي للأسمدة، سعد أبو المعاطي، إن تجربة شركة مناجم الفوسفات الأردنية في تطوير صناعة الفوسفات وتعظيم القيمة المضافة تمثل نموذجًا يُحتذى به في صناعة الأسمدة العربية.
وأشار إلى أن إنتاج الشركة من الفوسفات بلغ نحو 12 مليون طن عام 2025، بما يعادل نحو 20 بالمئة من الإنتاج العربي و5 بالمئة من الإنتاج العالمي، إلى جانب إنتاج 300 ألف طن من حمض الفوسفوريك، ونحو 700 ألف طن من سماد «DAP»، ومليون طن من حمض الكبريتيك.
وأضاف أن هذه القدرات تؤكد أهمية الأردن في صناعة الأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية، وما تتيحه من فرص لمواصلة تطوير الصناعات التحويلية وتعظيم العائد الاقتصادي من الموارد الطبيعية.
وأوضح أن صناعة الأسمدة العربية تستحوذ على نحو ثلث التجارة العالمية للأسمدة، ما يضع على عاتقها مسؤولية مواصلة الاستثمار ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التنافسية والإسهام في استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد ودعم الأمن الغذائي.
ولفت إلى أن الاتحاد يعمل على تطوير أدواته، وتعزيز التواصل مع الشركات الأعضاء، وتوسيع أنشطته الفنية والاقتصادية، ودعم اللجان المتخصصة، والاستفادة من البيانات والإحصاءات في فهم الأسواق ودعم اتخاذ القرار.
وأشار إلى أن استراتيجية الاتحاد لعام 2030 تركز على رفع الكفاءة التشغيلية والاقتصادية، وتعظيم القيمة المضافة للموارد العربية، وتسريع الابتكار والتحول الرقمي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، وخفض الانبعاثات الكربونية وتوسيع الشراكات.
“جوائز الاتحاد العربي للأسمدة لعام 2026”
وشهد افتتاح المؤتمر الإعلان عن جوائز الاتحاد العربي للأسمدة لعام 2026؛ إذ فازت شركة حلوان للأسمدة بجائزة الاستدامة للشركات، وتسلمها رئيس مجلس إدارة الشركة المهندس حسن عبد العليم، فيما فاز أشرف شلتوت من الشركة المالية والصناعية المصرية «EFIC» بجائزة البحث التطبيقي للأفراد والفرق.
وكان المدير الفني للاتحاد العربي للأسمدة، الكيميائي محمد قمر، قد عرض نيابة عن لجنة التحكيم، برئاسة الرئيس التنفيذي لشركة الخليج لصناعة البتروكيماويات المهندس ياسر عبد الرحيم، منهجية تقييم الجوائز ومراحل التحكيم والأسس المعتمدة.
وافتتح الذنيبات، على هامش المؤتمر، المعرض الفني المتخصص، الذي يعرض أحدث تكنولوجيات صناعة الأسمدة والمعدات والمنتجات ومستلزمات الإنتاج والحلول الصناعية المتقدمة، بما يتيح للمشاركين الاطلاع على التطبيقات الحديثة وبحث فرص التعاون والشراكات وتبادل الخبرات.
ويتضمن البرنامج الفني للمؤتمر جلسات متخصصة حول تقنيات المحفزات الكيميائية وتحسين أداء العمليات الصناعية، وسلسلة القيمة في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، وموثوقية الأصول والصيانة الذكية، وكفاءة استخدام الطاقة والعمليات منخفضة الانبعاثات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وإدارة سلامة العمليات الصناعية، إضافة إلى أسواق الأسمدة العالمية واتجاهات التجارة الدولية.
