النائب عبدالرحمن العوايشة
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد خطاب دستوري لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل جاء خطاب دولة ، حمل رسائل سياسية ووطنية واقتصادية عميقة، ورسم بوضوح أولويات المرحلة، مؤكداً أن أمن الأردن واستقراره وثوابته الوطنية ومصالح أبنائه تبقى فوق كل اعتبار.
لقد أكد جلالة الملك أن الأردن سيبقى عصياً على الإرهاب، وأن أمنه ووحدته الوطنية خط أحمر، مستذكراً تضحيات شهداء الوطن الذين ارتقوا دفاعاً عن ترابه. وهي رسالة تؤكد أن قوة الأردن تكمن في تماسك جبهته الداخلية، وصلابة مؤسساته، ويقظة جيشه العربي وأجهزته الأمنية، والتفاف الأردنيين حول قيادتهم الهاشمية.
وفي الشأن الإقليمي، جدد جلالته التأكيد على ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، وضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وصون حقوقه المشروعة، وحماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. وهو موقف يعكس نهجاً هاشمياً ثابتاً لا تحكمه المتغيرات ولا تضعفه الضغوط، ويؤكد أن الأردن سيبقى صوتاً للحق ومدافعاً عن قضايا أمته.
أما الرسالة الموجهة إلى مجلس الأمة، فقد حملت دلالات بالغة الأهمية، إذ أكدت أن المسؤولية النيابية لا تقتصر على التشريع والرقابة، بل تمتد إلى السلوك والممارسة واحترام ثقة المواطنين. فالمجلس مرآة للحياة العامة، وهيبته من هيبة الدولة، وقوة أدائه تقاس بقدرته على التعبير عن تطلعات الأردنيين والدفاع عن مصالحهم.
اقتصادياً ومعيشياً، شدد الخطاب على ضرورة الانتقال من الخطط إلى الإنجاز، ومن الوعود إلى النتائج، بحيث يلمس المواطن أثر السياسات الحكومية في فرص العمل ومستوى المعيشة والخدمات. كما جاء تأكيد جلالته على ملف المياه وتكراره عبارة «المياه، المياه، المياه» ليضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية والاستراتيجية، باعتباره ركيزة أساسية للأمن والاستقرار ومستقبل الأجيال.
ولم تغب سيادة القانون وهيبة الدولة عن رسائل الخطاب، الذي أكد أن الوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن خدمة المواطنين والنزاهة والمساءلة مبادئ لا يجوز تجاوزها، مهما كان موقع المسؤول أو نفوذه.
إن خطاب العرش وضع الحكومة ومجلس الأمة أمام مسؤولية وطنية ودستورية واضحة؛ فالتوجيهات الملكية ليست عناوين للاحتفاء، بل أولويات تستوجب التنفيذ والمتابعة والمساءلة. وعلى الحكومة أن تقدم نتائج ملموسة، وعلى مجلس الأمة أن يمارس دوره التشريعي والرقابي بأمانة وفاعلية، واضعاً مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
إنها رسائل ملكية تؤكد أن الأردن ثابت في مواقفه، راسخ في مؤسساته، متمسك بثوابته، وماضٍ في مسيرة التحديث والبناء بقيادته الهاشمية. وتبقى القيمة الحقيقية لهذا الخطاب في قدرتنا جميعاً على تحويل مضامينه إلى إنجازات تليق بالأردن والأردنيين؛ فالأوطان لا تُبنى بالوعود، وإنما بالعمل والإرادة والمسؤولية.
