لا أعتقد أن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين يمكن قراءته باعتباره مناسبة دستورية لافتتاح دورة برلمانية جديدة فحسب فالخطاب، في مضمونه وتوقيته والملفات التي تناولها حمل رسائل سياسية ووطنية واضحة تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق مؤسسات الدولة.
ولعل ما لفت انتباهي في هذا الخطاب هو أنه بدأ من الداخل الأردني من أمن الدولة ووحدتها قبل الانتقال إلى القضايا الإقليمية والاقتصادية والمؤسسية. وهذا الترتيب يحمل دلالة مهمة خصوصاً في ظل الأحداث الإرهابية الأخيرة التي شهدتها محافظة الكرك وما تركته من ألم لدى الأردنيين جميعاً.
الكرك.. رسالة تتجاوز الحادثة الأمنية
عندما تحدث جلالة الملك عن شهداء الكرك، واستخدم عبارة (هؤلاء ليسوا منا )لم يكن الحديث مجرد موقف تجاه جريمة إرهابية بل كان تأكيداً على مفهوم الدولة والمجتمع والهوية الوطنية.
أرى أن أهمية هذه الرسالة تكمن في أنها وضعت الأمور في إطارها الصحيح فالإرهاب لا يمثل ديناً ولا عشيرة ولا منطقة ولا يمكن السماح لمن ارتكب هذه الجرائم بأن يختطف صورة المجتمع الأردني أو يسيء إلى تاريخه وتماسكه.
والأردن الذي عُرف دائماً بوحدة أبنائه وتماسك نسيجه الاجتماعي، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على هذه الوحدة ورفض كل أشكال التطرف والتحريض والتعميم.
كما أن تأكيد جلالة الملك على دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يعيد التذكير بأن أمن الأردن واستقراره ليسا أمراً قابلاً للمساومة وأن حماية الوطن مسؤولية تتكامل فيها المؤسسات الأمنية مع وعي المجتمع ووقوفه خلف دولته.
القضية الفلسطينية
موقف أردني لا يتغير بتغير الظروف
على المستوى الإقليمي جاء موقف جلالة الملك تجاه القضية الفلسطينية امتداداً للثوابت الأردنية التي لم تتبدل خصوصاً في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس.
وأعتقد أن أهمية ما ورد في هذا الجانب لا تتوقف عند تجديد التأكيد على الحقوق الفلسطينية، بل في ربط جلالة الملك بين تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وبين حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة على أرضه.
فالمنطقة لا يمكن أن تنعم باستقرار حقيقي في ظل استمرار الاحتلال والانتهاكات، كما أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تمثل تهديداً يتجاوز حدود فلسطين ليطال مستقبل المنطقة بأكملها.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأردنية هنا واضحة: قد تتغير الظروف السياسية، وقد تتبدل موازين القوى، لكن ذلك لا يعني أن يتخلى الأردن عن مواقفه وثوابته تجاه فلسطين والقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، أو أن يتراجع عن دوره العربي.
البرلمان أمام مسؤولية مختلفة
أحد أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها في الخطاب هو حديث جلالة الملك عن مجلس الأمة ودوره في الحياة السياسية.
فقد أكد أن المجلس يجب أن يكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي، وأن اختلاف النواب في الرأي يمثل قوة طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية.
لكن العبارة التي أراها الأكثر أهمية في هذا السياق هي أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب.
وهنا أعتقد أن جلالة الملك وضع يده على مسألة أساسية في العمل البرلماني؛ فالمواطن لا يريد من نائبه أن يكون حاضراً تحت القبة فقط، ولا أن يكتفي بالمواقف الإعلامية والخطابات، بل يريد أن يرى دوراً حقيقياً في التشريع والرقابة والدفاع عن مصالحه.
ومجلس الأمة اليوم أمام استحقاقات مهمة، تتطلب منه أن يثبت قدرته على ممارسة دوره الدستوري، وأن تكون مناقشاته مرتبطة بالأولويات التي تشغل الأردنيين، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الخلافات التي لا تنعكس على المصلحة العامة.
المواطن أولاً
وهنا تكمن القضية الأهم
إذا كان هناك محور أرى أنه يجب أن يكون معياراً لقياس أداء الحكومة خلال المرحلة المقبلة فهو تأكيد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه.
هذه العبارة تختصر الكثير مما ينتظره المواطن الأردني من مؤسسات الدولة.
فالمواطن اليوم يريد أن يرى تحسناً في مستوى معيشته، وفرصاً حقيقية للعمل، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، وأن يشعر بأن الخطط الحكومية ليست مجرد أرقام وتصريحات، وإنما نتائج يلمسها في حياته اليومية.
ولا يمكن قياس نجاح أي مشروع تنموي بحجمه أو قيمته المالية فقط، بل بقدرته على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس.
ومن هنا، فإنني أرى أن التحدي الأكبر أمام الحكومة ليس في الإعلان عن الخطط الجديدة، وإنما في قدرتها على تنفيذها، والوصول إلى الفئات التي تحتاج فعلياً إلى فرص العمل وتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية.
التحديث الاقتصادي
المطلوب أن ينتقل من الخطط إلى النتائج
توقف جلالة الملك عند مسار التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى، داعياً الحكومة إلى تسريع إنجازها، وهي رسالة تستحق الاهتمام في ظل حاجة الاقتصاد الأردني إلى المزيد من الاستثمارات والمشاريع المنتجة.
لكن الأهم بالنسبة لي هو كيفية انعكاس هذه المشاريع على الاقتصاد والمجتمع.
فالمشاريع الكبرى لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم الاستثمار أو القيمة المعلنة بل بما توفره من فرص عمل وما تضيفه إلى الناتج الاقتصادي ومدى مساهمتها في تحسين مستوى معيشة المواطنين.
كما أن نجاح التحديث الاقتصادي يرتبط بقدرة الإدارة الحكومية على تجاوز البيروقراطية وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وضوح أكبر في مؤشرات الإنجاز، حتى يتمكن المواطن ومجلس الأمة من متابعة ما تحقق فعلياً، وما لا يزال بحاجة إلى معالجة.
المياه
عندما يتحول الملف الخدمي إلى قضية أمن وطني
من اللافت في الخطاب تكرار جلالة الملك عبارة (المياه المياه المياه) وهي عبارة تختصر حجم الاهتمام الذي يحظى به هذا الملف.
فالأمن المائي في الأردن لم يعد مجرد قضية خدمية تتعلق بتوفير المياه للمنازل، بل أصبح من القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
والأردن يدرك حجم التحديات التي يفرضها شح الموارد المائية وتزايد الطلب عليها، ولذلك فإن التأكيد الملكي على الاستمرار في مشاريع الأمن المائي ووضع الخطط الاستباقية لحماية الموارد يحمل الحكومة مسؤولية الإسراع في التنفيذ وعدم التعامل مع هذا الملف بمنطق الحلول المؤقتة.
ومن وجهة نظري، فإن الاستثمار في الأمن المائي يجب أن يكون من الأولويات الوطنية طويلة الأمد، لأن حماية الموارد اليوم تعني حماية حقوق الأجيال القادمة.
الوظيفة العامة وسيادة القانون
لا أحد فوق المساءلة
ومن الرسائل التي لا يمكن تجاوزها في خطاب العرش حديث جلالة الملك عن الوظيفة العامة، وتأكيده أنه لا مكان لمن يعتقد أن المنصب تشريف يرفعه عن العمل وخدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام موقعه.
هذه رسالة مهمة في توقيتها ومضمونها، خصوصاً أن تطوير الإدارة العامة لا يتحقق بمجرد تغيير الهياكل التنظيمية أو إطلاق برامج التحديث، بل يبدأ من ترسيخ ثقافة المسؤولية والمساءلة.
فالوظيفة العامة تكليف قبل أن تكون امتيازاً، والمسؤول الذي يتولى موقعاً عاماً يجب أن يدرك أنه مؤتمن على خدمة المواطنين وإدارة موارد الدولة.
كما أن تأكيد جلالة الملك أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً يعيد التأكيد على مبدأ أساسي تقوم عليه الدولة الحديثة، وهو المساواة أمام القانون وعدم السماح بتحويل الموقع العام إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
حرية الرأي
الاختلاف لا يعني الانقسام
وفي ختام الخطاب، أكد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه، وأن الوطن يتسع لكل رأي مخلص ومسؤول.
وأرى أن هذه الرسالة مهمة في ظل الحاجة إلى تعزيز المشاركة السياسية وتوسيع مساحة الحوار الوطني.
فالدولة القوية لا تخشى النقاش، والمؤسسات الفاعلة لا تنزعج من النقد المسؤول، بل تستفيد منه في تطوير أدائها وتصحيح مسارها.
لكن حرية الرأي تقابلها مسؤولية الكلمة، واحترام الآخر، والابتعاد عن الإساءة والتحريض. فالاختلاف في وجهات النظر يجب أن يبقى ضمن إطار المصلحة الوطنية، لا أن يتحول إلى وسيلة لتفكيك المجتمع أو الإساءة إلى مؤسساته.
ما بعد خطاب العرش
الاختبار الحقيقي أمام الجميع
في قراءتي لهذا الخطاب، أجد أن الرسالة الأبرز لم تكن موجهة إلى جهة واحدة، بل إلى منظومة العمل الوطني بأكملها.
الحكومة مطالبة بتسريع الإنجاز وتحويل الخطط إلى نتائج، ومجلس الأمة مطالب بممارسة دوره التشريعي والرقابي بمسؤولية، والإدارة العامة مطالبة بتعزيز النزاهة والكفاءة، والمجتمع مطالب بالحفاظ على وحدته ووعيه الوطني.
ولا أعتقد أن المرحلة المقبلة تحتمل الاكتفاء بالخطاب السياسي أو الوعود العامة، فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية تتطلب عملاً مؤسسياً واضحاً، ومتابعة مستمرة، ومساءلة حقيقية.
لقد رسم خطاب العرش مجموعة من الأولويات التي تمس حاضر الأردن ومستقبله، لكن قيمة هذه الأولويات ستظهر في مدى القدرة على ترجمتها إلى سياسات وقرارات وإنجازات.
وفي النهاية، أرى أن أهم ما يجب أن نتوقف عنده هو أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مؤسسات أكثر فاعلية، وتوفير حياة أفضل لمواطنيها.
فالأردن يمتلك من الإرث الوطني والمؤسسات والقدرات ما يجعله قادراً على مواصلة مسيرته وتجاوز التحديات، لكن المرحلة المقبلة تتطلب أن يلمس المواطن نتائج حقيقية لكل ما يُطرح من برامج وخطط تحت عناوين التحديث والإصلاح والتنمية.
وبرأيي، فإن هذا هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يُقاس به أداء المرحلة المقبلة فنجاح السياسات لا يكون بما تحمله من عناوين وإنما بما تحققه من أثر في حياة الأردنيين.
