متردد في اتخاذ القرارات؟ جرّب قاعدة 10-10-10 لتختار الأفضل

إن حالة التردد التي قد يُصاب بها البعض لا تعبر دوماً عن ضعف في الشخصية، بل في الغالب ما تكون تلك الحالة استجابة طبيعية للعديد من العوامل النفسية والبيولوجية، مثل كثرة الخيارات، أو إرهاق الدماغ من القرارات المتكررة، وأيضاً الخوف من الندم، ويعد فهم تلك الآليات هو الخطوة الأولى نحو التخلص من حالة التردد.
التردد ليس عيباً في الشخصية
وكانت قد اتفقت العديد من الأبحاث والدراسات على أن التردد ليس عيباً شخصياً يجب الشعور بالذنب حياله، بل هو نمط له العديد من التفسيرات العلمية الواضحة، والتي من الممكن التعامل معها بأدوات عملية، مثل: تقليل الخيارات المطروحة عمداً، وأيضاً الاكتفاء بخيار جيد بما يكفي بدلاً من البحث عن الكمال.
خطوات عملية تُساعدك على التخلص من التردد
هناك العديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت وعرضت العديد من الخطوات العملية، والتي حينما يتخذها الشخص تساعده على التخلص من حالة التردد، والتي نستعرضها لكم في هذا الموضوع:
كثرة الخيارات تضعك أمام التشتت وليس الحرية
خلال تجربة شهيرة أجرتها الباحثتان شينا أينجار ومارك ليبر في عام 2000 وتم نشرها في مجلة “الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” وُضعت منضدة تذوق لمربى الفاكهة في متجر راقٍ، وهي تعرض في مرة ستة أنواع وفي مرة أخرى 24 نوعاً.
وجذبت المنضدة ذات الخيارات الأكثر عدداً اهتماماً أكبر من الزبائن؛ إلا أن نسبة ممن أقدموا فعلياً على الشراء كانت أقل بعشر مرات تقريباً مقارنة بمنضدة الخيارات الأقل.
وأكدت شينا أينجار تلك النتيجة لاحقاً من خلال دراسة أوسع على خطط التقاعد؛ حيث توصلت إلى أن مقابل كل عشرة صناديق استثمار إضافية تُطرح على الموظفين تنخفض نسبة مشاركتهم الفعلية في اختيار خطة تقاعد بنحو 2%، وتلك النتائج شكلت لاحقاً أساس كتاب الباحث باري شوارتز “مفارقة الاختيار”، والذي وثّق من خلاله كيف أن الحرية غير المقيدة في الاختيار قد تتحول إلى نوع من الاستبداد الذهني بدلاً من التحرر.
يعود المفهوم الرئيسي لتلك الفكرة إلى الاقتصادي هربرت سايمون، وهو الحائز على جائزة نوبل؛ حيث طرح فكرة “العقلانية المحدودة”، والتي تتمثل في أن عقل الإنسان لا يستطيع معالجة كل المعلومات أو وزن كل الخيارات الممكنة بشكل مثالي.
وصاغ هربرت سايمون مصطلح “الاكتفاء – Satisficing” الذي يصف ميل الناس عملياً لاختيار خيار جيد بما يكفي بدلاً من الاستمرار في البحث المضني عن الخيار الأفضل مطلقاً، كما أوضحت أبحاث لاحقة أن الأشخاص الذين يتبنون هذا الأسلوب ويُعرفون بـ”المكتفين” يميلون إلى الشعور برضا أكبر عن قراراتهم مقارنة بـ”الباحثين عن الكمال” الذين يواصلون البحث عن الخيار الأمثل حتى بعد اتخاذ القرار بشكل فعلي؛ حيث يظلون قلقين من احتمال وجود خيار أفضل كانوا قد فوّتوه.
تصوّر الفشل مسبقاً يكشف عيوب القرار
من الأدوات العملية التي أوصى بها باحثون متخصصون في علم النفس المعرفي أسلوب يُعرف بـ”التشريح المسبق” أو “Premortem” وهو تمرين ذهني يقترح تخيل أن القرار قد فشل فعلياً بعد اتخاذه بفترة ثم العمل بشكل عكسي لتحديد الأسباب المحتملة لهذا الفشل.
وتكمن فائدة هذا الأسلوب في أنه يمنح المشاركين في القرار غطاءً نفسياً للتعبير عن شكوكهم بشكل أكبر بدلاً من كبتها خوفاً من أن يبدوا متشائمين أو معارضين للقرار، مما يساعد على كشف مخاطر حقيقية، كان يمكن أن تُغفَل لو استمر النقاش في الاتجاه الإيجابي فقط.
قاعدة ذهبية لتوسيع الأفق الزمني لاتخاذ القرار
اقترحت الكاتبة والصحفية الأمريكية سوزي ويلش من خلال كتابها “10-10-10” إطاراً عملياً لمواجهة حالة التردد، والتي تقوم على طرح ثلاثة أسئلة قبل اتخاذ أي قرار مهم: كيف سأشعر تجاه هذا القرار بعد عشر دقائق؟ وبعد عشرة أشهر؟ وبعد عشر سنوات؟.
وأوضحت سوزي ويلش أن هذا التمرين يساعد على الخروج من ضيق اللحظة الحالية، التي غالباً ما تكون مصدر حالة التردد والنظر للقرار من منظور زمني أوسع، مما يسهل التمييز بين حالة قلق عابر لا يستحق التوقف عنده طويلاً، وقرار سيحمل أثراً حقيقياً يستحق تفكيراً أعمق.
تقليل عدد القرارات اليومية الصغيرة
بناءً على فكرة “إرهاق اتخاذ القرار” نصحت العديد من المصادر المتخصصة في علم النفس السلوكي بتقليل عدد القرارات التافهة التي يتخذها الشخص بشكل يومي مثل: “اختيار الملابس أو الوجبات” وذلك من خلال إنشاء روتين ثابت لتلك الأمور، مما يحافظ على الطاقة الذهنية اللازمة للقرارات الأكثر أهمية لاحقاً في اليوم.
وهذا لا يعني التخلي عن المرونة الكاملة، بل توجيه رصيد القرارات المحدود الذي يملكه عقل الشخص يومياً نحو ما يستحق فعلاً هذا الجهد الذهني، بدلاً من استنزافه في تفاصيل لا تستحق كل هذا التفكير.




